خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَٱعْبُدُونِ
٥٦
كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ
٥٧
وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ غُرَفَاً تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ
٥٨
ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ
٥٩
-العنكبوت

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

يقول الحق جل جلاله: {يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعةً}، فإذا لم يتيسر لكم إقامةُ دينِكُمْ في بلد، فاخرجوا منها إلى أرض يتهيأ لكم فيها استقامة دينكم، والبقاع تتفاوت في ذلك تفاوتاً كبيراً، والناس مختلفون، فأهل الشرائع يطلبون البقاع التي يتيسر لهم فيها استقامة ظواهرهم، كالمدن والقرى الكبار، التي يكثر فيها العلم وأهله. وأهل الحقائق من الصوفية يطلبون البقاع التي تسلم فيها قلوبهم من العلائق والشواغل، أينما وجدوها عمروها، إن تهيأ لهم الاجتماع على ربهم. وعن سهل رضي الله عنه: إذا ظهرت المعاصي والبدع في أرض، فاخرجوا منها إلى أرض المطيعين. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من فرّ بدينه من أرض، إلى أرض, وإن كان بشيراً، استوجب الجنة، وكان رفيق إبراهيم ومحمد عليهما السلام" .
{فإياي فاعبدون} أي: فخصوني بالعبادة. وإياي: مفعول لمحذوف، ومفعول "اعبدوني": الياء المحذوفة، أي: فاعبدوا إياي، فاعبدوني. والفاء: جواب الشرط، محذوف، إذ المعنى، إن أرضي واسعة، فإن لم تخلصوا العبادة لي في أرض، فاخلصوا لي في غيرها.
ثم شجع المهاجرين بقوله: {كلُّ نفسٍ ذائقةُ الموت}، أي: واجدة مرارته وكربه؛ لأنها إذا تيقنت بالموت؛ سهل عليها مفارقة وطنها. {ثم إلينا تُرجعون} بالموت، فتجاوزن على ما أسلفتم. ومن عَلِمَ أن هذا عاقبته، ينبغي أن يجتهد في الاستعداد له، فإن لم يتهيأ في أرض فليهاجر منها.
{والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم}؛ لنُنزلنهم {من الجنة غُرَفاً}؛ علالي، عالية، وقرأ حمزة والكسائي: {لنثوينهم}؛ لنقيمنهم، من الثَّوَى، وهو الإقامة، وثوى: غَيْرُ متعد، فإذا تعدى؛ بزيادة الهمزة لم يجاوز مفعولاً واحداً. والوجه في تعديته إلى ضمير المؤمنين وإلى الغرف: إما إجراؤه مجرى "لننزلنهم"، أو: بحذف الجار، وإيصال الفعل، أو: شبه الظرف المؤقت، بالمبهم، أي: لنقيمنهم في غرف {تجري من تحتها الأنهارُ خالدين فيها نِعْمَ أجرُ العاملين} أجرهم هذا. وهم {الذين صبروا} على مفارقة الأوطان وأذى المشركين، وعلى المحن والمصائب، ومشاق الطاعات، وترك المحرمات، {وعلى ربهم يتوكلون}، أي: لم يتوكلوا في جميع ذلك إلا على الله، فكفاهم شأنهم. وبالله التوفيق.
الإشارة: كل من لم يَتَأَتَّ له جَمْعُ قَلْبِهِ في بلده؛ فليهاجر منها إلى غير، وليسمع قول سيده: {يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة}، فإن شق عليه مفارقة الأوطان، فليذكر مفارقته للدنيا في أقرب زمان. وكان الصدِّيق رضي الله عنه لَمَّا هاجر إلى المدينة، وأصابته الحمى، يتسلى بذكر الموت، ويُنشد:

كُلُّ امْرِىءٍ مُصَبَّحٌ في أَهْلهِوالمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ

وقد أكثر الناس في الوعظ بالموت وهجومه، نظماً ونثراً، فمن ذلك قول الشاعر:

المَوْتُ كَأسٌ، وكُلُّ النَاس شَارِبُهوالقَبْرُ بَابٌ، وكُلُّ الناس دَاخِلُهُ

وقال آخر:

اعْلَمْ بِأَنَّ سِهَامَ الْمَوْتِ قَاطِعَةٌبِكُلِّ مُدِّرع فِيهَا وَمُتَّرِسِ
ركوبُك النعشُ يُنْسِيكَ الرُّكُوبَ إلىمَا كُنْتَ تَرْكَبُ مِنْ نَعْلٍ ومَنِ فَرَسِ
تَرْجُو النَّجَاةَ, وَلَمْ تَسْلُكْ طَرِيَقَتَهَاإنَّ السَّفَينَةَ لاَ تَجْرِيَ علَى يَبَسِ

إلى غير ذلك مما يطول.
ولما أمر بالهجرة خافوا العيلة، فأنزل الله تعالى: {وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ...}