خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ ٱلأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ ٱللَّهِ مَسْئُولاً
١٥
قُل لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلْفِرَارُ إِن فَرَرْتُمْ مِّنَ ٱلْمَوْتِ أَوِ ٱلْقَتْلِ وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً
١٦
قُلْ مَن ذَا ٱلَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوۤءاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً
١٧
-الأحزاب

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

يقول الحق جلّ جلاله: {ولقد كانوا عاهدوا اللهَ من قَبلُ} أي: قبل غزوة الخندق، وهو يوم أحد. والضمير في "كانوا" لبني حارثة، عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحد، حين فشلوا، ثم تابوا ألا يعودوا لمثله، وقالوا: {لا يُوَلُّونَ الأدبارَ}؛ منهزمين أبداً، {وكان عهدُ الله مسؤولاً} عن الوفاء له، مُجازىً عليه، أو: مطلوباً مقتضى حتى يوفى به. {قل لن ينفعَكُم الفرارُ إن فَررتُم من الموت أو القتل}، فإنه لا بد لكل شخص من حتفِ أنفه، أو: قتل في وقت معين سبق القضاء وجرى به القلم، {وإذاً لا تُمتَّعُون إلا قليلاً} أي: إن حضر أجلكم لم ينفعكم الفرار، وإن لم يحضر، وفررتم، لن تُمتعوا في الدنيا إلا زماناً قليلاً، وهو مدة أعماركم، وهو قليل بالنسبة إلى ما بعد الموت الذي لا انقضاء له.
{قل مَن ذَا الذي يَعصِمُكُم من الله} أي: يمنعكم مما أراد الله إنزاله بكم؛ {إن أراد بكم سوءاً} في أنفسكم، من قتل أو غيره، {أو أراد بكم رحمةً} أي: أراد بكم إطالة عمر في عافية وسلامة. أو: مَن يمنع الله من أن يرحمكم، إن أراد بكم رحمة، فَحُذِفَ؛ سوءاً، أو يصيبكم بسُوء، إن أراد بكم رحمة، فاختصر الكلام. {ولا يجدون لهم من دون الله ولياً} ينفعهم، {ولا نصيراً} يدفع العذاب عنهم.
الإشارة: ولقد كان عاهدَ الله؛ مَنْ دخل في طريق القوم، ألاَّ يولي الأدبارَ، ويرجع إلى الدنيا والاشتغال بها حتى يتفتّر عن السير، وكان عهد الله مسؤولاً، فيسأله الحق تعالى عن سبب رجوعه عن الإرادة، ولماذا حَرَمَ نَفْسَهُ من لذيذ المشاهدة؟ قل - لمَن رجع، ولم يقدر على مجاهدة نفسه: لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت لنفوسكم، أو القتل؛ بمجاهدتها وتجميلها بعكس مرادها، وتحميلها ما يثقل عليها، وإذا لا تُمتعون إلا قليلاً، ثم ترحلون إلى الله، في غم الحجاب وسوء الحساب. قل: مَن ذا الذي يعصمكم من الله، إن أراد بكم سوءاً؟ وهو البُعد والطرد، أو: مَن يمنعكم من رحمته، إن أراد بكم رحمة، وهي التقريب إلى حضرته، فلا أحد يعصمكم من إبعاده، ولا أحد يمنعكم من إحسانه؛ إذ لا وليّ ولا ناصر سواه. اللهم انصرنا بنصرك المبين، وارحمنا برحمتك الخاصة، حتى تُقَرِّبَنَا إلى حضرتك، بفضل منك وجودك، يا أرحم الراحمين.
ثم ذكر نعوت أهل البعد فقال: {قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلْمُعَوِّقِينَ...}