خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ
٥
إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ
٦
ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ
٧
-فاطر

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

يقول الحق جلّ جلاله: {يا أيها الناسُ إِن وعدَ الله} بالبعث والجزاء {حق} أي: كائن لا محالة، فاستعدُّوا للقائه، {فلا تَغُرنَّكم الحياةُ الدنيا} لا تخدعنكم زخارف الدنيا الغرارة، ولا يُذهلنكم التمتُّع بها، والتلذُّذ بملاذها، والاشتغال بجمعها واحتكارها، عن التأهُّب للقاء الله، وطلب ما عنده. وفي الحديث: "فلا تخدعنكم زخارف دنيا دنية، عن مراتب جنات علية، فكأنْ قد كشف القناع، وارتفع الارتياب، ولاقى كل امرىء مستقره، وعرف مثواه ومنقلبه" . {ولا يغرنكم بالله الغرورُ} أي: الشيطان، فإنه يُمنِّيكم الأماني الكاذبة، ويقول: إن الله غني عن عبادتك وعن تكذيبك. أو: إن الله غفور لمَن عصاه.
{إِنَّ الشيطانَ لكم عدوٌّ} ظاهر العداوة، فعل بأبيكم ما فعل، وأنتم تعاملونه معاملة الحبيب الناصح، {فاتخِذوه عدواً} فلا تقبلوا غروره في عقائدكم وأفعالكم، وكُونوا على حذر منه في جميع أحوالكم؛ إذ لا يوجد منه إلا ما يدل على عداوته في سركم وجهركم.
قال الورتجبي: إنه عدو؛ لأنه من عالم القهر خُلق، ونحن من عالم اللطف خُلقنا. والطبعان متخالفان أبداً، لأن القهر واللطف تسابقا في الأزل، فسبق اللطفُ القهر، فعداوته من جهة الطبع الأول، والجهل بالعصمة، وأنوار التأييد والنصرة، ومَن لا يعرفه بما وصفنا، كيف يتخذه عدواً؟ وهو لا يعرف مكائده، ولا يعرف مكائده إلا وليّ أو صدِّيق. هـ.
ثم خطّأ مَن اتبعه؛ بأن غرضه أن يورد شيعَته موارد الهلاك، بقوله: {إِنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير} فهو تقرير لعداوته، وبيان لغرضه في دعوى شيعته إلى اتباع الهوى، والركون إلى الدنيا، أي: إنما يدعوهم إلى الهوى، ليكونوا من أهل النار.
ثم بيَّن مآل مَن اتبعه ومَن عاداه، فقال: {الذين كفروا لهم عذاب شديد} أي: فمَن أجابه إلى ما دعي فله عذاب شديد؛ لأنه صار من حزبه وأتباعه، {والذين آمنوا وعملوا الصالحات} ولم يجيبوه، ولم يصيروا من حزبه، بل عادوه، {لهم مغفرةٌ وأجر كبير} لكبر جهاده ودوامه.
الإشارة: وَعْد الله هنا عام، وكله حق، واجب الوقوع، لا يتخلّف، فيصدق بوعد الرزق، وكفاية مَن انقطع إليه عن الخلق، لقوله:
{ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ } [الطلاق: 3] وتولى مَن أصلح حالَه لقوله: { وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ } [الأعراف: 196] ويصدق بإثابة المطيع، وعتاب المعاصي، أو حلمه عنه، وغير ذلك من المواعد كلها، فيجب على العبد كفه عن الاهتمام بالرزق، وخوف الخلق، والتشمير في الطاعة، والفرار من المعصية، إِنْ كان له ثقة بوعد ربه، وإلا فالخلل في إيمانه.
وقوله تعالى: {إِن الشيطان لكم عدو...} الخ، قوم فهموا من الخطاب أنهم أُمروا بعداوة الشيطان، فاشتغلوا بعداوته ومحارتبه، فشغلهم ذلك عن محبة الحبيب، وقوم فهموا من سر الخطاب: إن الشيطان لكم عدو، وأنا لكم حبيب، فاشْتَغلُوا بمحبة الحبيب، فكفاهم عداوة العدو. قيل لبعضهم: كيف صُنعك مع الشيطان؟ فقال: نحن قوم صرفنا هِممنا إلى الله، فكفانا مَن دونه. فالشيطان كالكلب إن اشتغلت بدفعه مزّق الثياب، أو قطع الإهاب، وإن رفعته إلى مولاه كفاك شره. وكذلك النفس إن اشتغلت بتصفيتها ومجاهدتها على الدوام شغلتك عن ذكر الله، والفناء فيه، ولكن الدواء هو الغيبة عنها، والاشتغال بالله دائماً، فإذا أظهرتْ رأسها بقيام شهوتها، دُقّه، بعكس مرادها، وغِبْ عنها في ذكر الله. ومن حِكم شيخنا البوزيدي رضي الله عنه: "انس نفسك بالله، واعتمد على فضل الله، وامتثل شيئاً ما، وينوب الله". وفي الحكم العطائية: "إذا علمت أن الشيطان لا يغفل عنك، فلا تغفل أنت عمن ناصيتك بيده". وقال أيضاً: "وحرّك عليك النفس ليدون إقبالك عليه". وقال: "لو كنت لا تصل إليه إلا بعد فناء مساوئك، ومحو دعاويك، لم تصل إليه أبداً. ولكن إذا أراد أن يُوصلك إليه، غطى وصفك بوصفه، ونعتك بنعته، فوصلك بما منه إليك، لا بما منك إليك".
ومن جملة عداوته تزيين القبائح كما قال تعالى: {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءُ عَمَلِهِ...}