خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَعَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ
٤
أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ
٥
وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ ٱمْشُواْ وَاْصْبِرُواْ عَلَىٰ آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ
٦
مَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلآخِرَةِ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ
٧
أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فَي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ
٨
أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ ٱلْعَزِيزِ ٱلْوَهَّابِ
٩
أَمْ لَهُم مُّلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُواْ فِى ٱلأَسْبَابِ
١٠
جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّن ٱلأَحَزَابِ
١١

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

{وَعَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ ٱمْشُواْ وَاْصْبِرُواْ عَلَىٰ آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ مَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلآخِرَةِ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ أَأُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا...}
يقول الحق جلّ جلاله: {وعَجِبُوا} أي: كفار قريش من {أن جاءهم مُّنذر منهم}؛ رسول من أنفسهم، استبعدوا أن يكون الرسل من البشر. قال القشيري: وعَجِبُوا أن جاءهم مُنذرٌ منهم، ولم يعجبوا أن يكون المنحوت إلهاً لهم، وهذه مناقضة ظاهرة. هـ. يعني: لأن المستحق للإعجاب إلهية المنحوت من الحجر، لا وجود منذر من البشر، وهم عكسوا القضية. {وقال الكافرون هذا ساحر كذَّابٌ} أي: ساحر فيما يُظهر من المعجزات، كذَّاب فيما يدَّعيه من الرسالة. وضع الظاهر موضع المضمر تسجيلاً عليهم بالكفر، وغضباً عليهم، وإشعاراً بأن كفرهم هو الذي جسرهم على هذه المقالة الشنعاء.
ثم قالوا: {أجَعَلَ الآلهةَ إلهاً واحداً} بأن نفى الألوهية التي كانت لآلهتهم وقصرها على واحد، {إِنَّ هذا لشيءٌ عُجَابٌ}؛ بليغ في العجب، وذلك لأنه خلاف ما ألفوا عليه آباءهم، الذين أطبقوا على عبادة آلهتهم، كابراً عن كابر، فإنَّ مدار كل ما يأتون ويذورن، من أمور دينهم، هو التقليد والاعتياد، فيَعُدون ما يخالف ما اعتادوه عجباً من العجاب، بل محالاً، وأما جعل مدار تعجبهم عدم وفاء علم الواحد، وقدرته بالأشياء الكثيرة، فلا وجه له؛ لأنهم لا يدّعون أن لآلهتهم علماً وقدرة ومدخلاً في حدوق شيءٍ من الأشياء، حتى يلزم من ألوهيتهم بقاء الأثر بلا مؤثر، قاله أبو السعود منتقداً على البيضاوي.
قال القشيري: لم تباشر خلاصةُ التوحيد قلوبَهم، وبُعدوا عن ذلك تجويزاً، فضلاً عن أن يكون إثباتاً وحكماً، فلا عَرَفُوا أولاً معنى الإلهية؛ فإن الإلهية هي القدرة على الاختراع. وتقديرُ قادِرَيْن على ذلك غيرُ صحيح؛ لِمَا يجب من وجود التمانع بينهما وجوازه، وذلك يمنع من كمالها، ولو لم يكونا كامِلَي الوصفِ لم يكونا إِلَهيْن، وكلُّ مَن جرّ ثبوته لسقوطه فهو مطرح باطل. هـ.
رُوي أنه لما أسلم عمر رضي الله عنه فرح به المؤمنون، وشقّ على قريش، فاجتمع خمسة وعشرون نفساً من صناديدهم، ومشوا إلى أبي طالب، وقالوا: أنت كبيرنا، وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء ـ أي: الذين دخلوا في الإسلام ـ وجئناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك، فاستحضر أبو طالب رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا ابن أخي؛ هؤلاء قومك يسألونك السواء، فلا تَمِلْ كل الميل على قومك، فقال ـ عليه الصلاة والسلام ـ:
"ماذا يسألونني؟" فقالوا: ارفضنا وارفض ذكر آلهتنا، وندعك وإلهك، فقال ـ عليه الصلاة والسلام ـ: "أعطوني كلمة واحدة تملكون بها العرب، وتدين لكم العجم" ، قالوا: نعم، وعشراً. قال: "قولوا: لا إله إلا الله" فقاموا، وقالوا: {أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عُجاب}. قيل: العجب: ما له مِثل، والعجاب: لا مثل له.
{وانطلق الملأُ منهم} أي: وانطلق الأشراف من قريش عن مجلس أبي طالب، بعدما بكّتهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بالجواب، وشاهدوا تصلُّبه ـ عليه الصلاة والسلام ـ في الدين، وعزيمته على إظهاره، ويئسوا مما كانوا يرجونه، بتوسُّط أبي طالب، من المصالحة على الوجه المذكور، قائلين {أنِ امْشُوا} و "أنْ": تفسيرية؛ لأن المنطلقين عن مجلس التقاول لا بد لهم من أن يتكلموا، أو يتفاوضوا فيما جرى لهم، فكان انطلاقهم مضمناً معنى القول، وقيل: ليس المراد بالانطلاق المشي، بل انطلاق ألسنتهم بهذا الكلام، كما أنه ليس المراد بالمشي المتعارف، بل الاستمرار على المشي، يعني أنه على هذا القول: عبارة عن تفرُّقهم في طُرق مكة، وإشاعتهم للكفر. هـ. أي: امشوا {واصبروا على آلهتكم} أي: اثبتوا على عبادتها، متحمِّلين لِما تسمعون في حقها من القدح.
قال القشيري: إذا تواصى الكفارُ فيما بينهم بالصبر على آلهتهم، فالمؤمون أَوْلى بالصبر على عبادة معبودهم، والاستقامة في دينهم. هـ.
{إِنَّ هذا لشيءٌ يُراد} أي: هذا الذي شاهدناه من محمد صلى الله عليه وسلم من أمر التوحيد، وإبطال أمر آلهتنا، لشيء يُراد إمضاؤه وتنفيذه، من جهته ـ عليه الصلاة والسلام ـ لا محالة، من غير صارف يلويه، ولا عاطف يثنيه، لا قول يُقال من طرف اللسان، وأمر تُرجى فيه المسامحة بشفاعة أو امتنان، فاقطعوا أطماعكم عن استنزاله عن رأيه، بواسطة أبي طالب وشفاعته، وحسبكم ألا تُمنعوا من عبادة آلهتكم بالكلية، فاصبروا عليها، وتحمَّلوا ما تسمعون في حقها من القدح وسوء المقالة، أو: إنَّ هذا الأمر لشيء يريده الله تعالى، ويحكم بإمضائه، فلا مرد له، ولا ينفع فيه إلا الصبر، أو: إنَّ هذا الأمر لشيء من نوائب الدهر، يُراد بنا، فلا انفكاكَ لنا منه، أو: إن دينكم لشيء يُراد، أي: يُطلَبُ ليؤخذ منكم وتُغلَبوا عليه، أو: إن هذا الذي يدَّعيه من التوحيد، ويقصده من الرئاسة، والترفُّع على العرب والعجم، لشيء يُتمنى، ويريده كلُّ أحد. فتأمّل هذه الأقاويل، واختر منها ما يساعده النظم الجليل.
{ما سَمِعْنَا بهذا} الذي يقوله من أمر التوحيد {في الملةِ الآخرة} أي: في ملة عيسى، التي هي آخر الملل؛ لأن النصارى مثلثة غير موحدة، أو: في ملّة قريش التي أدركنا عليها آباءنا، ويجوز أن يكون الجار والمجرور حالاً من "هذا"، أي: ما سمعنا بهذا من أهل الكتاب ولا الكهّان كائناً في الملة المترقبة. ولقد كذّبوا في ذلك أقبح كذب؛ فإن حديث البعثة والتوحيد، وإبطال عبادة الأصنام، كان أشهر الأمور قبل الظهور. {إِنْ هذا} أي: ما هذا {إِلا اختلاقٌ} أي: كذب، اختلقه من تلقاء نفسه.
{أأُنزل عليه الذكرُ} أي: القرآن {من بيننا} ونحن رؤساء الناس وأشرافهم. أنكروا أن يُختص بالشرف من بين أشرافهم، وينزل عليه الكتاب من بينهم، حسداً من عند أنفسهم، كقولهم:
{ لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ } [الزخرف: 31]. وأمثال هذه المقالات الباطلة دليل على أن مناط تكذيبهم ليس إلا الحسد، وقصر النظر على الحطام الدنيوية، والعياذ بالله.
قال الورتجبي: كانوا منطمسة العيون عما ألبسه الحق من أنوار ربوبيته، وسنا جلاله وجماله، لم يروا إلا الصورة الإنسانية، التي هي ميراث آدم من ظاهر الخلقة. وهذا كقوله:
{ وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ } [الأعراف: 198]، استبعدوا اصطفائيته بالوحي، ولم يعرفوا أنه أثرُ اللهِ في العالم، ومشكاةُ تجلِّيه، حتى قالوا مثل ما قالوا: {وعَجبوا أن جاءهم مُّنذر منهم}، رأوا أنفسهم خالية عن مشاهدة الغيوب، وإدراك نور صفات الحق، فقاسوا نفس محمد صلى الله عليه وسلم بأنفسهم، ولم يعلموا أنه كان نفسَ النفوس، وروحَ الأرواح، وأصل الخليقة، وباكورةً من بساتين الربوبية. يا ليتهم لو رأوه في مشاهدة الملكوت، ومناصب الجبروت، إذ خاطبه الحق بلولاك ما خلقتُ الأفلاك. هـ.
الإشارة: هذه عادة الله تعالى في خلقه، كل مَن يأمر الناس بالتجريد، وخرق العوائد، وصريح التوحيد، وترك ما عليه الناس من جمع الدنيا، وحب الرئاسة، والجاه، أنكروه، وسفَّهوا رأيه، وقالوا فيه: ساحر كذَّاب. ويقول بعضهم لبعض: امشوا واصبروا على ما أنتم عليه، من جمع الدنيا، والخدمة على العيال، وعلى ما وجدتم عليه أسلافكم، من الوقوف مع العوائد، ما سمعنا بهذا الذي يدلّ عليه هذا الرجل من ترك الأسباب والانقطاع إلى الله في هذا الزمان، إن هذا إلا اختلاق، أأُنزلت عليه الخصوصية من بيننا، ولم يعلموا أن الله يختص برحمته مَن يشاء، ويبعث في كل زمان مَن يُجدد الدين بتربية مخصوصة. والله تعالى أعلم.
ثم رَدّ عليهم بقوله:
{... بْل هُمْ فَي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ ٱلْعَزِيزِ ٱلْوَهَّابِ أَمْ لَهُم مٌّلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيَنَهُمَا فَلْيَرْتَقُواْ فِى ٱلأَسْبَابِ جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّن ٱلأَحَزَابِ}.
يقول الحق جلّ جلاله: {بل هم} أي: كفار قريش {في شكٍّ من ذكري}؛ من القرآن، أو الوحي، لميلهم إلى التقليد، وإعراضهم عن النظر في الأدلة المؤدية إلى علم حقيقته، {بل لمَّا يذوقوا عذاب} أي: بل لم يذوقوا عذابي الموعود في القرآن، ولذلك شكُّوا فيه، فإذا ذاقوه زال ما بهم من الشك والحسد حينئذ، أي: إنهم لا يُصدِّقون به إلا أن يمسّهم العذاب، فحينئذ يُصدّقون، ولات حين تصديق.
{أم عندهم خزائنُ رحمةِ ربك العزيزِ الوهَّاب} أي: ما هم بمالكي خزائن الرحمة حتى يُصيبوا بها مَن شاؤوا، ويصرفوها عمَّن شاؤوا، ويختاروا للنبوة بعض صناديدهم، ويترفَّعوا بها عن محمد صلى الله عليه وسلم، وإنما يملك الرحمة وخزائنها العزيزُ القاهر على خلقه، الوهّاب الكثير المواهب، المصيب بها مَن يشاء. والمعنى: أن النبوة عطية من الله تعالى، يتفضّل بها على مَن يشاء من عباده المصطفين، لا مانع له، فإنه الغالب، الذي له أن يهب كل ما يشاء لكل مَن يشاء.
وفي إضافة اسم الرب المنبىء عن التربية والتبليغ إلى الكمال إلى ضميره ـ عليه الصلاة والسلام ـ من تشريفه واللطف به ما لا يخفى.
{أم لهم مُلكُ السماواتِ والأرضِ وما بينهما} أي: بل ألهم ملك هذه العوالم العلوية والسفلية حتى يتكلموا في الأمور الربانية، ويتحكّموا في التدابير الإلهية، التي اختصّ بها رب العزّة والكبرياء؟ ثم تهكّم بهم غاية التهكُّم فقال: {فليرتقوا في الأسباب}، وهو جواب عن شرط مقدَّر، أي: إن كان لهم ما ذكر من الملك، ويملكون التصرُّف في قسمة الرحمة، فليصعَدوا في المعارج والطُرق التي يتوصّل بها إلى السماء، حتى يُدبروا أمر العالم وملكوت الله، فيُنزلون الوحي إلى مَن يختارون ويستصوبون. والسبب، في الأصل: ما يتوصل به إلى المطلوب.
ثم وعد نبيه ـ عليه الصلاة والسلام ـ بالنصر عليهم بقوله: {جندٌ مَّا هنالك مهزومٌ من الأحزاب} أي: هم جند ما من الكفار المتحزبين على الرسل {مهزومٌ}؛ مكسور عما قريب، فلا تُبالِ بما يقولون، ولا تكترث بما يَهْذُون. و "جُند": خبر، أو مبتدأ، و "مهزوم": خبره و "مَّا": صلة مقوّية للنكرة. أو: للتقليل والتحقير. و "من الأحزاب": متعلق بجند، أو: بمهزوم، و "هنالك": إشارة إلى بدر ومصارعهم، أو: إلى حيث وضعوا في أنفسهم من الانتداب لمثل ذلك القول العظيم، من قولهم لمَن ينتدب لأمر وليس من أهله: لست هنالك.
الإشارة: يُقال في جانب أهل الغفلة: بل في شك من حلاوة ذكري ومعرفتي، حيث لم يذوقوا. قال إبراهيم بن أدهم رضي الله عنه: (خرج الناس من الدنيا ولم يذوقوا شيئاً، قيل: وما فاتهم؟ قال: حلاوة المعرفة). بل لَمَّا يذوقوا عذابي، هو وبال القطيعة والبُعد، والانحطاط عن درجات المقرَّبين، وسيذوقونه إذا تحققت الحقائق، حيث لا ينفع مال ولا بنون، إلا مَن أتى الله بقلب سليم. ويقال في جانب من حسد أهل الخصوصية: {أم عندهم خزائنُ رحمة ربك العزيزِ الوهاب...} الآية.
ثم هدّد كفار قريش بقوله: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ}.