خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَآءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ
١٧
أَنْ أَدُّوۤاْ إِلَيَّ عِبَادَ ٱللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ
١٨
وَأَن لاَّ تَعْلُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِنِّيۤ آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ
١٩
وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ
٢٠
وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِي فَٱعْتَزِلُونِ
٢١
فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ مُّجْرِمُونَ
٢٢
فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ
٢٣
وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ
٢٤
-الدخان

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

يقول الحق جلّ جلاله: {ولقد فتنا قبلهم} قبل هؤلاء المشركين، {قومَ فرعون} أي: امتحانهم بإرسال موسى عليه السلام، أو: أوقعناهم في الفتنة بالإمهال وتوسيع الأرزاق، أو فعلنا بهم فعل المختبِر؛ ليظهر ما كان باطناً، {وجاءهم رسولٌ كريمٌ} موسى عليه السلام، أي: كريم على الله، أو على المؤمنين، أو في نفسه حسيب نسيب، لأن الله تعالى لم يبعث نبيّاً إلا من سادات قومه: {أنْ أدُّوا إِليَّ عبادَ الله} أي: بان أدُّوا إليّ، أي: ادفعوا عبادَ الله، وهم بنو إسرائيل، بأن ترسلوهم معي، فكانت دعوة موسى لفرعون بعد الإقرار بالتوحيد إرسال بني إسرائيل من يده، أو: بأن أدُّوا إليّ يا عباد الله ما يجب عليكم من الإيمان، وقبول الدعوة، فالعباد على هذا عام. فـ"إن" مفسرة؛ لأن مجيء الرسل لا يكون إلا بدعوة، وهي تتضمن القول، أو مخففة، أي: جاءهم بأن الشأن أدوا إليّ، و"عبادُ الله" على الأول: مفعول به، وعلى الثاني: منادى، {إِني لكم رسولٌ أمين} تعليل للأمر، أو لوجوب المأمور، أي: رسول غير ظنين، قد ائتمنني الله على وحيه، وصدّقني بالمعجزات القاهرة.
{وأن لا تعلوا على الله} أي: لا تتكبّروا على الله بالاستهانة بوحيه وبرسوله أو: لا تتكبروا على نبيّ الله، {إِني آتيكم} من جهته تعالى {بسلطانٍ مبين} بحجة واضحة، لا سبيل إلى إنكارها، تدل على نبوتي، وفي إيراد الأداء مع الأمين، والسلطان مع العلو، من الجزالة ما لا يخفى، {وإِني عُذْتُ بربي وربكم} أي: التجأت إليه، وتوكلتُ عليه، {أن ترجمون} من أن ترجمون، أي: تؤذونني ضرباً وشتماً، أو تقتلوني رجماً.
قيل: لما قال: {وأن لا تعلوا على الله} توعّدوه بالرجم، فتوكّل على الله، واعتصم به، ولم يُبال بما توعّدوه.
{وإِن لم تؤمنوا لي فاعتزلونِ} أي: وإن كابرتم ولم تُذعنوا لي، فلا مولاة بيني وبين مَن لا يؤمن، فتنحُّوا عني، أو: فخلُّوني كفافاً لا لي ولا عليّ، ولا تتعرضوا لي بشرِّكم وأذاكم، فليس ذلك جزاء مَن دعاكم إلى ما فيه فلا حُكم، قال أبو السعود: وحَمْلُه على قطع الوصلة وعدم الموالاة بينه وبينهم، يأباه المقام.
{فدعا ربَّه} بعدما تمادوا على تكذيبه، شاكياً إلى ربه: {أَنَّ هؤلاء} أي: بأن هؤلاء، {قوم مجرمون} وهو تعريض بالدعاء عليهم، بذكر ما استوجبوه، ولذلك سمي دعاء، وقيل: كان دعاؤه،: اللهم عجِّل لهم ما يستوجبونه بإجرامهم، وقيل: هو قوله:
{ أَنِّى مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ } [القمر: 10] وقيل: قوله: { لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } [يونس: 85] وقُرئ بالكسر على إضمار القول. قال تعالى له بعدُ: {فأَسْرِ بعبادي ليلاً} والفاء تؤذن بشرط محذوف، أي: إن كان الأمر كما تقول {فأسْرِ بعبادي} بني إسرائيل {ليلاً إِنكُم مُتَّبعون} أي: دبّر الله أن تتقدموا، ويتبعكم فرعون وجنوده، فننجّي المتقدمين، ونغرف الباقين، {واترك البحر رَهْواً} ساكناً على حالته بعدما جاوزته، ولا تضربه بعصاك لينطبق، ولا تُغيره عن حاله ليدخله القبط، أراد موسى عليه السلام لمّا جاوزه أن يضربه بعصا لينطبق، فأمره أن يتركه ساكناً على هيئته، قاراً على حالته، من انتصاب الماء كالطود العظيم، وكون الطريق يبساً لا يُغير منه شيئاً، ليدخله القبط، فإذا دخلوا فيه أطبقه الله عليهم، فالرهو في كلام العرب: السكون، قال الشاعر:

طَيرٌ رَأَتْ بازياً نَضحَ الدُّعاءُ به وأُمَّةٌ خَرَجَتْ رَهْواً إلى عيدِ

أي: ساكنة، وقيل: الرهو: الفرجة الواسعة، أي: اتركه مفتوحاً على حاله منفرجاً، {إنهم جند مُغْرَقون} بعد خروجكم من البحر. وقرئ بالفتح، أي: لأنهم.
الإشارة: كل زمان له فراعين، يحبسون الناسَ عن طريق الله، وعن خدمته، فيبعث الله إليهم مَن يُذكَّرهم، ويأمرهم بتخلية سبيلهم، أو بأداء الحقوق الواجبة عليهم، فإذا كُذّب الداعي، قال: وإن لم تؤمنوا فاعتزلون، فإذا أيِس من إقبالهم دعا عليهم، فيغرقون في بحر الهوى، ويهلكون في أودية الخواطر. وبالله التوفيق.
ثم حضَّ على الاعتبار، فقال: {كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ}.