خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَلَقَدْ مَكَّنَاهُمْ فِيمَآ إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُواْ يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَحَاقَ بِهم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ
٢٦
وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِّنَ ٱلْقُرَىٰ وَصَرَّفْنَا ٱلآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
٢٧
فَلَوْلاَ نَصَرَهُمُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ قُرْبَاناً آلِهَةَ بَلْ ضَلُّواْ عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ
٢٨
-الأحقاف

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

قلت: {فيما} موصولة، أو موصوفة، ومفعول {اتخذوا} الأول: محذوف، و {آلهة} مفعول ثان، أي: اتخذوهم آلهة، و {قرباناً} حال، ولا يصح أن يكون مفعولاً ثايناً لـ"اتخذوا"، و"آلهة": بدل، لفساد المعنى، وأجازه ابن عطية، ووجه فساده: أن اتخاذهم آلهة منافٍ لاتخاذهم قرباناً؛ لأن القربان مقصود لغيره، والآلهة مقصود بنفسها، فتأمله، و"إن" نافية، والأصل: فيما ما مكنكم فيه، ولمّا كان التكرار مستثقلاً جيء بأن، كما قالوا في مهما، والأصل: مَا مَا، فلبشاعة التكرار قلبوا الألف هاء، وقيل: "إن" صلة، أي: في مثل ما مكنكم فيه، والأول أحسن.
يقول الحق جلّ جلاله: {ولقد مكَّنَّاهم} أي: قررنا عاد ومكناهم في التصرُّف {فيما} أي: في الذي، أو في شيء ما {مكناكم} يا معشر قريش {فيه} من السعة والبسطة، وطول الأعمار، وسائر مبادئ التصرفات، فما إغنى عنهم شيء من ذلك، حين نزل بهم الهلاك، وهذا كقوله تعالى:
{ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِى الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَكُمْ } [الأنعام: 6] أو: ولقد مكنهم في مثل ما مكنكم فيه، فما جرى عليهم يجري عليكم، حيث خالفتم نبيكم، والأول أوفق بقوله: { كَانُواْ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَءَاثَاراً فِى الأَرْضِ } [غافر: 21] وقوله: { هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وَرِءْياً } [مريم: 74].
{وجعلنا لهم سمعاً وأبصاراً وأفئدةً} أي: آلات الإدراك والفهم، ليعرفوا بكل واحدة منها ما خلقتْ له، وما نيطت به معرفته، من فنون النعم، ويستدلوا بها شؤون منعمها، ويداوموا على شكرها، ويوحدوا خالقها،، {فما أغنى عنهم سمعُهم} حيث لم يستعملوه في استماع الوحي ومواعظ الرسل، {ولا أبصارهم} حيث لم يُبصروا ما نصب من الآيات الدالة على وحدانيته تعالى ووجوب وجوده، {ولا أفئدتهم} حيث لم يتفكّروا بها في عظمة الله تعالى وأسباب معرفته، فما أغنت عنهم {من شيء} أي: شيئاً من الإغناء. و {من} زائدة؛ للتأكيد، وقوله: {إِذ كانوا يجحدون بآيات الله} ظرف لقوله: {فما أغنى} جارٍ مجرى التعليل، لاستواء مؤدّي التعليل والظرف في قولك: ضربته إذ أساء، أو: لإساءته، لأنك إذا ضربته وقت إساءته فإنما ضربته فيه لوجود إساءته فيه، وكذلك الحال في "حيث" دون سائر الظروف غالباً، أي: فما أغنت عنهم آلات الإدراك لأجل جحودهم بآيات الله. {وحاق} أي: نزل {بهم ما كانوا به يستهزؤون} من العذاب الذي كانوا يستعجلونه بطريق الاستهزاء، ويقولون: {فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين}.
{ولقد أهلكنا ما حولَكم من القرى} يا أهل مكة، كحِجر ثمود، وقرى لوط، والمراد: أهل القرى، ولذلك قال: {وصرَّفنا الآياتِ} كرّرناه، {ولعلهم يرجعون} أي: كرّرنا عليهم الحجج وأنواع العِبر لعلهم يرجعون من الطغيان إلى الإيمان، فلم يرجعوا فأنزلنا عليه العذاب.
{فلولا نَصَرَهم الذين اتخذوا من دون الله قُرباناً آلهةً} أي: فهلاّ منعهم وخلصهم من العذاب الأصنام الذين اتخذوهم آلهة من دون الله، حال كونها متقرباً بها إلى الله، حيث كانوا يقولون:
{ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى } [الزمر: 3] و { هَؤُلآءِ شُفَعَآؤُنَا عِندَ اللَّهِ } [يونس: 18] {بل ضلوا عنهم} أي: غابوا عن نصرتهم، {وذلك إِفكهم وما كانوا يفترون} الإشارة إلى امتناع نصرة آلهتهم وضلالهم، أي: وذلك أثر إفكهم الذي هو اتخاذها آلهة، وثمرة شركهم، وفترائهم على الله الكذب.
وقرأ ابن عباس وابن الزبير: {أَفَكَهم} أي: صرفهم عن التوحيد. وقُرئ: بتشديد الفاء، للتكثير.
الإشارة: التمكُّن من كثرة الحس لا يزيد إلا ضعفاً في المعنى، وبُعداً من الحق، ولذلك يقول الصوفية: كل من زاد في الحس نقص في المعنى، وكل ما نقص في الحس زاد في المعنى، والمراد بالمعنى: كشف أسرار الذات وأنوار الصفات، وما مكّن اللّهُ تعالى عبدَه من الحواس الخمس إلا ليستعملها فيما يقربه إليه، ويوصله إلى معرفته، فإذا صرفها في غير ذلك، عُوقب عليها. وبالله التوفيق.
ثم ذكر حال مَن أغنى عنه سمعه ونَفَعَه، حيث استعمله فيما وصله إلى ربه، فقال: {وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ}.