خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرْتَدُّواْ عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْهُدَى ٱلشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَىٰ لَهُمْ
٢٥
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ ٱلأَمْرِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ
٢٦
فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ
٢٧
ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱتَّبَعُواْ مَآ أَسْخَطَ ٱللَّهَ وَكَرِهُواْ رِضْوَٰنَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَٰلَهُمْ
٢٨
أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ ٱللَّهُ أَضْغَانَهُمْ
٢٩
وَلَوْ نَشَآءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ ٱلْقَوْلِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ
٣٠
-محمد

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

يقول الحق جلّ جلاله: {إِنَّ الذين ارتَدُّوا على أدبارهم} أي: رجعوا إلا الكفر، وهم المنافقون، الذين وُصفوا قبلُ بمرض القلوب، وغيره، من قبائح الأفعال والأحوال، فإنهم كفروا به صلى الله عليه وسلم {من بعد ما تبيّن لهم الهُدى} بالدلائل الظاهرة، والمعجزات القاهرة. وقيل: اليهود، وقيل: أهل الكتابيْن جميعاً، كفروا به صلى الله عليه وسلم بعدما وجدوا نعته في كتابهم، وعرفوا أنه المنعوت بذلك، وقوله تعالى: {الشيطانُ سوَّل لهم} الجملة: خبر "إن" أي: الشيطان زيَّن لهم ذلك، أو: سهَّل لهم ركوب العظائم، من: السّول، وهو الاسترخاء، أي: أَرْخى العنانَ لهم، حتى جرَّهم إلى مراده، {وأَمْلَى لهم} ومدَّ لهم في الآمال والأماني، وقرأ البصري: "وأُمْليَ" بالبناء للمفعول، أي: أُمهلوا ومُدَّ في عُمرهم.
{ذلك بأنهم قالوا للذين كَرِهوا ما نزّل اللّهُ} الإشارة إلى ما ذُكر من ارتدادِهم، لا إلى الإملاء، ولا إلى التسويل - كما قيل - إذ ليس شيئاً منهما سبباً في القول الآتي؛ أي: ذلك الارتداد بسبب أنهم - أي المنافقون - قالوا لليهود الذين كرهوا ما نَزَّل الله من القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما علموا أنه من عند الله حسداً وطمعاً في نزوله عليهم: {سنُطيعكم في بعض الأمر} أي: عداوة محمد والقعود عن نصْرِ دينه، أو: في نصرهم والدفع عنهم إن نزل بهم شيء، من قِبَلهِ عليه السلام، وهو الذي حكاه عنهم بقوله تعالى:
{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ... } [الحشر: 11] الآية وهم بنو قريظة والنضير، الذين كانوا يُوالونهم ويُوادونهم، وإنما كانوا يقولون لهم ذلك سرّاً، كما ينبئ عنه قوله تعالى: {والله يعلم أسرارهم} أي: جميع أسرارهم التي من جملتها: قولهم هذا، وقرأ الأخوان وحفص بكسر الهمزة مصدر، أي: إخفاءَهم لما يقولون لليهود.
{فكيف} تكون حيلتهم وما يصنعون {إِذا توفتهم الملائكةُ} حال كونهم {يضربون وجوهَهم وأدبارَهم} وهو تصوير لحال توفيهم على أَهْولَ الوجوه وأفظعها. وعن ابن عباس رضي الله عنه: "لا يتوفى أحدٌ على معصية إلا تضرب الملائكة وجهَهُ ودُبره". {ذلك} التوفِّي الهائل {بأنهم} بسبب أنهم {اتبعوا ما أسخط اللّهَ} من الكفر والمعاصي ومعاونة الكفرة، {وكَرِهُوا رضوانه} من الطاعة والإيمان ونصر المؤمنين، {فأَحْبَط} لأجل ذلك {أعمالَهم} التي عمِلوها حال الإيمان وبعد الارتداد، من أعمال البر.
{أَمْ حَسِبَ الذين في قلوبهم مرضٌ} هم المنافقون الذين فصلت أحوالهم الشينعة، {أن لن يُخرج اللّهُ أضغانهم} أحقادهم، فـ"أَمْ" منقطعة، و"أن" مخففة، واسمها: ضمير الشأن، أي: أظن المنافقون الذين في قلوبهم حِقد وعداوة أنه لن يُخرج اللّهُ أحقادهم، ولن يُبرزَها لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، فيبقي أمورَهم مستورة؟ بل لا يكاد يدخل ذلك تحت الاحتمال.
{ولو نشاء لأريناكهم} ودللناك عليهم بأمارات، حتى تعرفهم بأعينهم، معرفةً مزاحِمةً للرؤية. والالتفات لنون العظمة لإبراز العناية بالإرادة، وفي مسند أحمد، عن ابن مسعود: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
"إن منكم منافقين، فمَن سميتُ فليقم، ثم قال: قم يا فلان، حتى سمّى ستة وثلاثين" انظر الطيبي. {فَلعَرفتَهم بسِيماهم} بعلامتهم التي نَسِمُهم بها، وعن ابن عباس رضي الله عنه: ما خَفي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية شيء من المنافقين؛ كان يعرفهم بسيماهم، ولقد كنا في بعض الغزوات وفيها تسعة من المنافقين، يشْكُرهم الناس؛ فناموا، فأصبح على وجه كل واحد منهم مكتوب: هذا منافق" قال ابن زيد: قصد الله إظهارَهم، وأمرَهم أن يخرجوا من المسجد، فأبوا إلا أن يتمسّكوا بلا إله إلا الله، فحُقِنت دماءهم، ونَكحوا ونُكح منهم بها.
{ولَتعرِفَنَّهم} أي: والله لتعرفنهم {في لحن القول} أي: مجراه وأسلوبه وإمالته عن الاعتدال؛ لما فيه من التذويق والتشديق، وقد كانت ألسنتهم حادة، وقلوبهم خاربة، كما قال تعالى:
{ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ... } [البقرة: 204] الآية، مَن في قلبه شيءٌ لا بد أن يظهر على لسانه، كما قيل: "ما كمَن فيك ظَهَرَ على فِيك". وهذه الجُمل كلها داخِلة تحت "لَوْ" معلقةً بالمشيئة، واللحن يُطلق على وجهين: صواب وخطأ، فالفعل من الصواب: لَحِنَ يلْحَنُ لَحْناً، كفرِح، فهو لَحِنٌ، إذا فطنَ للشيء، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "ولعل بعضَكم أن يكون ألحن بحجته من بعض" أي: لقُوتهِ على تصريف الكلام. والفعلُ من الخطأ: لَحَنَ يلحَنُ لحْناً، كجعل، فهو لاَحِنٌ إذا أخطأ، والأصل فيه: إزالة الكلام عن جهته، مأخوذ من: اللحن، وهو ضد الإعراب، وهو الذهاب عن الصواب في الكلام. {والله يعلم أعمالَكم} فيُجازيكم بحسب قصدكم؛ إذا الأعمال بالنيات، وهذا وعد للمؤمنين، وإيذانٌ بأن حالهم بخلاف حال المنافقين، أو: يعلم جميع أعمال العباد، فيميزُ خيرَها من شرها.
الإشارة: {إن الذين ارتدوا على أدبارهم} أي: رَجعوا عن صحبة المشايخ، بعدما ظهر لهم أسرارُ خصوصيتهم؛ الشيطانُ سوَّل لهم وأَمْلَى لهم، وتقدّم عن القشيري: أنه يتخلّف عنهم يوم القيامة، ولا يلحق بالمقربين، ولو يشفع فيه ألفُ عارف، بل من كمال المكر به أن يُلقي شَبَهَه في الآخرة على غيره، حتى يتوهم عارفوه من أهل المعرفة أنه هو، فلا يشفع أحد فيه؛ لظنهم أنه معهم، فإذا ارتفعوا إلى عليين مُحيت صورته، ورُفع إلى مقام العامة، انظر معناه في آل عمران.
وقال هنا: الذي طلع فَجرُ قلبه وتلألأ نورُ التوحيد فيه، ثم ارتدّ قبل طلوع نهار إيمانه؛ انكسفَ شمسُ يومه، وأظلم نهارُ عرفانه، ودَجا ليل شَكِّه، وغابت نجومُ عقله، فحدَّث عن ظلماتهم ولا حرج. هـ. ولا سيما إذا تحزّب مع العامة في الإذايَة، وقال للذين كرهوا ما نَزّل الله على أهل الخصوصية من الأسرار: سنُطيعكم في بعض الأمر من إذايتهم، والله يعلم أسرارهم، وباقي الوعيد الذي في الآية ربما يشملهم. وقوله تعالى: {أم حسب الذين في قلوبهم مرض} أي: عداوةٌ لأولياء الله أن لن يُخرج اللّهُ أضغانهم؟ بل يُخرجها ويُظهر وبالها، ويفتضحون ولو بعد حين، وقوله تعالى: {ولتعرفنهم في لحن القول} في قوة الخطاب، ومفهوم الكلام؛ لأن الأسِرَّة تدلُّ على السريرة، وما خامر القلوبَ فعلى الوجوه يلوحُ، وأنشدوا في المعنى:

لَستُ مَنْ لَيْس يَدْرِي مَا هوانٌ مِن كَرَامه إِنَّ لِلْحُبِّ وَلِلْبَغْضِ عَلَى الْوَجْهِ عَلاَمه

المؤمن ينظر بنور الفراسة، والعارفُ ينظر بعين التحقيق، والموحِّدُ ينظر بالله، ولا يستتر عليه شيء. هـ. من القشيري.
ثم ذكر اختباره لأهل الصدق، فقال: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَاهِدِينَ}.