خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ
٦١
وَإِن يُرِيدُوۤاْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ ٱللَّهُ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ
٦٢
وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مَّآ أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
٦٣
-الأنفال

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

يقول الحق جل جلاله: {وإنْ جَنَحُوا للسَّلمْ} أي: وإن مالوا للصلح {فاجْنَح لها} أي؛ فصالحهم، ومل إلى المعاهدة معهم، وتوكل على الله؛ فلا تخف منهم أن يكونوا أبطنوا خداعاً؛ فإن الله يعصمك من مكرهم؛ { { وَلاَ يَحِيقُ المَكرُ السَّيئُ إِلاَّ بِأَهلِهِ } } [فاطر:42]، {إنه هو السميع} لأقوالهم، {العليم} بأحوالهم.
{وإنْ يُريدُوا أن يخدعُوك} بعد الصلح {فإن حَسْبَكَ الله} أي: فحسبك الله وكافيك شرهم، {هو الذي أيدك} أي: قواك ونصرك {بنصرِه}؛ تحقيقاً، {وبالمؤمنين}؛ تشريفاً، أو {بنصره} قدرة، {وبالمؤمنين} حكمةً، والقدرة والحكمة منه وإليه، فلا دليل عليه للمعتزلة حيث نسبوا الفعل للعبد، وقالوا: العطف يقتضي المغايرة.
{وألَّفَ بين قلوبهم} مع ما كان فيها من زمن الجاهلية من المعصية والضغائن والتهالك على الانتقام، حتى لا يكاد يأتلف فيهم قلبان، ثم صاروا كنفس واحدة، وهذا من معجزاته صلى الله عليه وسلم. قال تعالى: {لو أنفقتَ ما في الأرض جميعاً}، في إصلاح ما بينهم، {ما ألفت بين قلوبهم}؛ لتناهي عداوتهم إلى حد لو أنفق منفق في
إصلاح ذات بينهم ما في الأرض من الأموال لم يقدر على الألفة بينهم، {ولكنَّ الله ألفَ بينهم} بقدرته البالغة؛ فإنه المالك للقلوب يُقبلها كيف يشاء. {إنه عزيز} تام القدرة، لا يَعصي عليه ما يريده، {حكيم} يعلم كيف ينبغي أن يفعل ما يريده.
قيل: إن الآية نزلت في الأوس والخزرج، كان بينهم إِحنٌ وضغائن لا أمد لها، ووقائع هلكت فيها ساداتهم، فأنساهم الله ذلك، وألَّف بينهم بالإسلام، حتى تصادقوا وصاروا أنصار الدين. وبالله التوفيق.
الإشارة: وإن مالت النفس وجنودها إلى الصلح مع صاحبها؛ بأن ألقت السلاح، ومالت إلى فعل كل ما فيه خير وصلاح، وعقدت الرجوع عن هواها، والدؤوب على طاعة مولاها، فالواجب عقد الصلح معها، وتصديقها فيما تأمر به أو تَنْهَى عنه، مما يرد عليها، مع التوكل على مولاها، فإن خدعت بعد ذلك، أو رجعت إلى مألوفها، فالله يكفي أمرها، ويقوي صاحبها على درها، إما بسبب شيخ كامل، أو أخ صالح، فإن الصحبة فيها سر كبير، لا سيما مع أهل الصفاء، الذين صفت قلوبهم، وألف الله بينهم بالمحبة والوداد، وحسن الظن والاعتقاد، وإما بسابق عناية ربانية وقوة إلهية. وبالله التوفيق.
ثم أمر نبيه بالاكتفاء بالله وعدم الالتفات إلى ما سواه، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ}.