خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ
٥٧
قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ
٥٨
إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ
٥٩
إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ ٱلْغَابِرِينَ
٦٠
فَلَمَّا جَآءَ آلَ لُوطٍ ٱلْمُرْسَلُونَ
٦١
قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ
٦٢
قَالُواْ بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ
٦٣
وَآتَيْنَاكَ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ
٦٤
فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ ٱلَّيلِ وَٱتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ وَٱمْضُواْ حَيْثُ تُؤْمَرُونَ
٦٥
وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ ٱلأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلآءِ مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ
٦٦
وَجَآءَ أَهْلُ ٱلْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ
٦٧
قَالَ إِنَّ هَؤُلآءِ ضَيْفِي فَلاَ تَفْضَحُونِ
٦٨
وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُخْزُونِ
٦٩
قَالُواْ أَوَ لَمْ نَنْهَكَ عَنِ ٱلْعَالَمِينَ
٧٠
قَالَ هَؤُلآءِ بَنَاتِي إِن كُنْتُمْ فَاعِلِينَ
٧١
لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ
٧٢
فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ
٧٣
فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ
٧٤
إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ
٧٥
وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ
٧٦
إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ
٧٧
-الحجر

تفسير الهدايه إلى بلوغ النهايه

قوله: {قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ} إلى قوله: {مُصْبِحِينَ}.
معناه: قال إبراهيم للملائكة: فما شأنكم وما أمركم أيها المرسلون؟ قالوا له {إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ}. أي: مكتسبين المعاصي والكفر بالله. ثم استثنى منهم آل لوط فقال: {إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ} أي: من العذاب.
ثم استثنى من آل لوط امرأته فقال: {إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ} فصارت المرأة مع المعذبين.
ومعنى: {قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ ٱلْغَابِرِينَ} أي: قدرنا علمنا فيها أن تكون مع الباقين في العذاب. وقيل: معناه: كتبنا ذلك وأخبرنا به. وقيل: معناه: قضينا ذلك.
و "آل لوط" هنا أتباعه على دينه. و "الغابرين" الباقين في العذاب.
ثم قال تعالى {فَلَمَّا جَآءَ آلَ لُوطٍ ٱلْمُرْسَلُونَ}.
أي: فلما أتى رسل الله إلى لوط، أنكرهم لوط ولم يعرفهم. وقال لهم {إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ} أي: لا نعرفكم. قالت له الرسل: بل نحن رسل الله جئناك بما قومك فيه يشكون أنه نازل بهم من عذاب الله على كفرهم {وَآتَيْنَاكَ بِٱلْحَقِّ} أي: جئناك [بـ] - الحق من عند الله وهو العذاب {وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} فيما أخبرناك به من الله بهلاك قومك. ثم قالوا له: {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ ٱلَّيلِ} أي: في بقية من الليل واتبع يا لوط أدبار أهلك الذين تسرى بهم، أي: كن من ورائهم {وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ وَٱمْضُواْ حَيْثُ تُؤْمَرُونَ} أي: حيث يأمركم الله. قال الزجاج: أمر بترك الالتفات لئلا يرى عظيم ما نزل قومه. وقيل: نهي عن الالتفات إلى ما في المنازل من الرجال لئلا يقع الشغل به عن المضي.
ثم قال تعالى: {وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ ٱلأَمْرَ}.
أي: أوحينا إلى لوط ذلك الأمر. ثم فسر ما هو الذي أوحى إليه فقال: "إن دابر هؤلاء مقطوع" فهذا الذي أعلمه الله وأوحى به إليه. ومعنى: "دابر هؤلاء مقطوع" آخرهم يستأصل صباحاً.
قوله: {وَجَآءَ أَهْلُ ٱلْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ} إلى قوله: {[لآيَةً] لِلْمُؤْمِنِينَ}.
المعنى: وجاء أهل المدينة، [مدينة] سدوم، وهم قوم لوط، يستبشرون لما سمعوا أن ضيفاً قد نزل عند لوط طمعاً في ركوبهم الفاحشة، قاله قتادة.
والضيف يقع للواحد والجمع والاثنين بلفظ واحد لأنه مصدر في الأصل.
قال لهم لوط {إِنَّ هَؤُلآءِ ضَيْفِي فَلاَ تَفْضَحُونِ} فيهم {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} فيهم {وَلاَ تُخْزُونِ} أي: ولا تذلون ولا تهينون فيهم بالتعرض إليهم بالمكروه. قالوا له {أَوَ لَمْ نَنْهَكَ عَنِ ٱلْعَالَمِينَ} أي: [عن] ضيافة أحد من العالمين.
وقيل المعنى: ألم ننهك أن تجير أحداً علينا وتمنعنا منهم.
قال لهم لوط صلى الله عليه وسلم {هَؤُلآءِ بَنَاتِي إِن كُنْتُمْ فَاعِلِينَ}. قال قتادة: أمرهم لوط أن يتزوجوا النساء.
ومعنى {إِن كُنْتُمْ فَاعِلِينَ}، [أي: فاعلين] ما أمركم / الله به.
وقيل: [المعنى]: إن كنتم مريدين بهذا الشأن فعليكم التزويج ببناتي. وكل نبي أزواجه أمهات أمته، وأولاد أمته أولاده. فعلى ذلك قال لوط {هَؤُلآءِ بَنَاتِي} وعلى ذلك قرءوا "أزواجه أمهاتهم وهو أب لهم".
ثم قال تعالى: {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ}.
فرفع لعمر على الابتداء والخبر محذوف، كأنه قال لعمرك قسمي، أو ما أقسم به. وحسن الحذف لأن باب القسم باب حذف.
والمعنى: أي وحياتك يا محمد أن كفار قومك من قريش {لَفِي سَكْرَتِهِمْ} أي: ضلالتهم {يَعْمَهُونَ} أي: يترددون.
وقال ابن عباس: ما خلق الله وما ذرأ وما برأ نفساً أكرم عليه من محمد [صلى الله عليه وسلم]، وما سمعت الله أقسم بحياة أحد غيره.
وعمرك أصله ضم العين لأنه من العمر والتعمير ومنه قول الرجل لعمري إنما أقسم بمدة حياته. ولكن كثر استعمالهم له في القسم ففتحوا العين، ولا يفتح إلا في القسم خاصة. فإنما أقسم الله جلّ ذكره [بعمر] النبي صلى الله عليه وسلم كأنه قال: وبقائك في الدنيا يا محمد.
قال أبو الجوزاء: ما أقسم الله بحياة أحد غير محمد صلى الله عليه وسلم، لأنه أكرم البشر عنده.
وقيل: معناه وعيشك يا محمد أن قريشاً لفي سكرتهم [يتمادون].
وقال مجاهد: "يعمهون" يترددون.
ثم قال تعالى ذكره: {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ}.
أي: أخذتهم الصاعقة عند شروق الشمس. يقال: أشرق القوم إذا صادفوا شروق الشمس، وأصبحوا إذا صادفوا الصبح.
وشرقت الشمس إذا طلعت، وأشرقت إذا ضاءت وصفت. وقيل: شرقت وأشرقت بمعنى. والأول أحسن وأكثر.
ومعنى "مشرقين" مصادفين شروق الشمس وهو طلوعها.
ثم قال: [تعالى ذكره]: {فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا} أي: جعلنا عالي أرضهم سافلها {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ} أي: من طين. وقد تقدم ذكر سجيل في هود بابين من هذا. ويروى أن سجيلاً [اسم] لسماء الدنيا.
قوله {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ}.
أي: في هذا العذاب لعلامات ودلائل على قدرة الله وتوحيده ووجوب طاعته واتباع رسله وكتبه للمتفرسين المعتبرين. قال مجاهد: "للمتوسمين" المتفرسين. وقال قتادة للمعتبرين. وقال ابن عباس: للناظرين، وهو قول الضحاك. وقال ابن زيد: للمتفكرين والمعتبرين الذين يتوسمون الأشياء ويتفكرون فيها ويعتبرون.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
"اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله. ثم قرأ {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ}" .
وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن [لله] عباداً يعرفون الناس بالتوسم" .
وحقيقة التوسم: النظر بالتثبت حتى يعرف الحقيقة. فهذا كله متقارب في المعنى. وهذه الآية تنبيه لقريش لأن يتعظوا ويزدجروا بما نزل بقوم / لوط وغيرهم.
ثم قال تعالى: {وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ}.
أي: وإن سدوم المنقلبة بقوم لوط لبطريق واضح يراها المجتاز بها، لا يخفى مكانها. وقيل: المعنى وإن الآيات {لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ}.
{إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ}
أي إن في صنيعنا بقوم لوط لعلامة و[دلالة] لمن آمن بالله على انتقامه من أهل الكفر. وقيل: الهاء تعود على الحجارة.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
"أن الحجارة لموقفة في السماء منذ ألفي عام لظالمي أمتي إذا عملوا بأعمال قوم لوط" .
وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "سيكون خسف وقذف من السماء وذلك إذا عملوا بأعمال قوم لوط ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم الآية [إلى {مُّقِيمٍ}]" .