خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَعَنَتِ ٱلْوُجُوهُ لِلْحَيِّ ٱلْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً
١١١
وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً وَلاَ هَضْماً
١١٢
وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ ٱلْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً
١١٣
فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْءانِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً
١١٤
-طه

تفسير الهدايه إلى بلوغ النهايه

قوله تعالى ذكره: {وَعَنَتِ ٱلْوُجُوهُ لِلْحَيِّ ٱلْقَيُّومِ} إلى قوله: {زِدْنِي عِلْماً}.
قال ابن عباس: {عَنَتِ}: ذلت أي: استسلمت.
وقال مجاهد: {عَنَتِ} خشعت.
وقال طلق بن حبيب: هو وضعك جبهتك وأنفك وركبتك وكفيك وأطراف قدميك في السجود. فهذا يراد به أنها عنت في الدنيا، والأقوال غير هذا يراد بها الآخرة.
وقال ابن زيد: {عَنَتِ} استأسرت للحي القيوم. أي: صاروا أسارى.
وقال الفراء: {عَنَتِ} الوجوه نصبّ وعملته، والعاني الأسير.
وهذا قول أهل اللغة، أن العاني الأسير، سمي بذلك لأنه يذل ويخضع.
ومنه الحديث:
"النساء عندكم عوان" ومنه: افتتحت الأرض عنوة، ومنه: عنيت فلانا.
ثم قال تعالى: {وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً}.
أي: قد خسر من حمل يوم القيامة شركاً بالله، قاله: قتادة وابن زيد وغيرهما.
ثم قال تعالى: {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً وَلاَ هَضْماً}.
أي: مَن يؤد الفرائض التي افترض الله عليه، وهو مصدق بالله وملائكته وكتبه ورسله، فلا يخاف ظلماً، أي: لا يخاف أن تحمل عليه سيئات غيره ويعاقب عليها.
{وَلاَ هَضْماً} أي: نقصاً من ثوابه. قاله قتادة وغيره.
ومن قرأ: فلا يخف بالجزم، جعله نهياً، نهاه الله جل ذكره عن الخوف من أن يصيبه ظلم أو هضم.
وقال ابن جريج /: {ٱلصَّالِحَاتِ} هنا: الفرائض.
وقال الضحاك: {وَلاَ هَضْماً}: هو أن يقهر الرجل الرجل بقوته وأصل الهضم، الانتقاص. يقال: هضمني فلان حقي، أي: نقصني، ومنه امرأة هضيم الكشح، أي: ظاهرة البطن. وهذا دواء يهضم الطعام. أي: ينقصه، فيزول ثقله.
ثم قال تعالى ذكره: {وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ ٱلْوَعِيدِ}.
المعنى: كما رغب أهل الإيمان في صالح الأعمال فوعدهم ما وعدهم، كذلك حذر بالوعيد أهل الكفر، فقال: {وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً} أي: أنزلناه بلغتكم أيها العرب لتفهموه. {وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ ٱلْوَعِيدِ} أي: وخوفناهم بضروب من الوعيد {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} ما فيه من الوعيد أو يحدث لهم ذكراً فينقلبون عما هم مقيمون عليه من الكفر بالله، يعني: أو يحدث لهم القرآن ذكراً.
قال قتادة: "ذكرا": ورعاً.
وقيل: معناه: أو يحدث لهم شرفاً بإيمانهم به، كما قال: {لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ} أي: شرفكم إن آمنتم به. روي ذلك أيضاً عن قتادة.
ثم قال تعالى ذكره: {فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ} أي: فتعالى الله الذي له العبادة من جميع خلقه، ملك الدنيا والآخرة جميعاً على ما يصفه به المشركون من خلقه.
ثم قال تعالى: {وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ}.
أي: لا تعجل بالقرآن فتقرئه أصحابك أو تقرأه عليهم من قبل أن يقضى إليك وحيه، أي: بيان معانيه فأمر النبي صلى الله عليه وسلم ألا يكتب القرآن أو يتلوه على أحد حتى يبينه له، قاله: ابن عباس وقتادة.
وقيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستعجل القراءة من قبل أن يفرغ جبريل مما يأتيه به، خوف النسيان. ومنه
{ لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ } [القيامة: 16].
{وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً} أي: زدني علماً إلى ما علمتني. أمره الله تعالى أن يسأل ذلك.
وذكر ابن وهب أن الحسن قال: أتت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: "إن زوجي لكم وجهي" قال لها: بينكما القصاص، فأنزل الله تعالى: ولا تعجل بالقرآن... الآية. فأمسك النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزلت:
{ ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ } [النساء: 34].