خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

قَالَ يٰقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ لَوْلاَ تَسْتَغْفِرُونَ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
٤٦
قَالُواْ ٱطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِندَ ٱللَّهِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ
٤٧
وَكَانَ فِي ٱلْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ
٤٨
قَالُواْ تَقَاسَمُواْ بِٱللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ
٤٩
وَمَكَرُواْ مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ
٥٠
فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ
٥١
فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوۤاْ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
٥٢
-النمل

تفسير الهدايه إلى بلوغ النهايه

قوله تعالى ذكره: {قَالَ يٰقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِٱلسَّيِّئَةِ}، إلى قوله: {لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}،
أي قال صالح لقومه: لم تستعجلون بعذاب الله قبل رحمته؟.
قال مجاهد: وقيل السيئة: العذاب، والحسنة: العافية، وهذا يدل على أنه طلبوا منه أن يحل بهم العذاب الذي توعدهم به، واستعجلوه لوقوعه أنهم تكذيباً منهم للعذاب، ولما جاءهم به.
قوله: {لَوْلاَ تَسْتَغْفِرُونَ ٱللَّهَ} أي هلا تسألون الله المغفرة من كفركم ليرحمكم.
ثم قال تعالى: {قَالُواْ ٱطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ}،. أي قالت ثمود لصالح تشاءمنا بك وبمن معك لما يصيبنا من القحط والشدة، وقلة نماء الأموال، وذلك من اتباعك، فقال لهم صالح: {طَائِرُكُمْ عِندَ ٱللَّهِ}، أي ما يصيبكم مما تكرهون عند الله علمه، ومن عند الله يأتيكم.
قال قتادة: معناه: علمكم عند الله.
وقال الفراء: عند الله، ومعناه: أي في اللوح المحفوظ ما يصيبكم. مثل: قوله
{ طَائِرُكُم مَّعَكُمْ } [يس: 19]، أي ما يصيبكم من خير وشر لازم لكم في رقابكم.
وقوله: {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ}، أي تختبرون، أي يختبركم ربكم برسالتي إليكم، فينظر طاعتكم له فيما بعثني به إليكم.
ثم قال تعالى: {وَكَانَ فِي ٱلْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ}، أي كان في مدينة قوم صالح تسعة أنفس {يُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ}، أي يكفرون بالله ولا يؤمنون به، وخص هؤلاء بالذكر، وقد علم أن جميعهم كافرون، لأنهم هم الذين سعوا في عقر الناقة، وتعاونوا عليها، وتحالفوا على قتل صالح من بين ثمود.
قال ابن عباس: هم الذين عقروا الناقة، وقالوا حين عقروها: نبيت صالحاً وأهله فنقتلهم، ثم نقول لأولياء صالح: ما شهدنا من هذا شيئاً وما لنا به علم، فدمرهم الله أجمعين.
قال عطاء بن أبي رباح: بلغني عنهم أنهم / كانوا يقرضون الدراهم.
وقال الضحاك: كان هؤلاء التسعة عظماء أهل المدينة، وكانوا يفسدون، ويأمرون بالفساد، فجلسوا تحت صخرة عظيمة على نهر، فقلبها الله عليهم فقتلهم.
ثم قال تعالى: {قَالُواْ تَقَاسَمُواْ بِٱللَّهِ}، أي تحالفوا كأنه أمر بعضهم بعضاً أن يتحالفوا بالله، ويجوز أن يكون تقاسموا فعلاً ماضياً في معنى الحال والتقدير: قالوا: متقاسمين بالله، والمعنى: قال تسعة الرهط: تحالفوا بالله أيها القوم، أي ليحلف بعضكم بعضاً لنبيتن صالحاً الليلة، وأهله فلنقتلنه {ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ}، أي ولي دمه {مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ}.
قال مجاهد: تحالفوا على إهلاكه فلم يصلوا إليه حتى هلكوا هم وقومهم أجمعون.
قال أبو إسحاق: قال التسعة الرهط الذين عقروا الناقة: هلم فلنقتل صالحاً، فإن كان صادقاً أي فيما يوعدنا به من العذاب بعد الثلاث عجلناه قبلنا، وإن كان كاذباً كنا قد ألحقناه بناقته. فأتوه ليلاً ليبيتوه في أهله فدمغتهم الملائكة بالحجارة، فلما أبطأوا على أصحابهم، أتوا منزل صالح فوجدوهم متشادخين قد رضخوهم بالحجارة.
وقوله: {وَإِنَّا لَصَادِقُونَ}، أي نقول لوليه: وإنا لصادقون أنا ما شهدنا مهلك أهله.
ثم قال تعالى: {وَمَكَرُواْ مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ}، أي مكر هؤلاء التسعة بسيرهم إلى صالح ليلاً ليقتلوه، وصالح لا يشعر بذلك. {وَمَكَرُواْ مَكْراً} أي فأخذناهم بالعقوبة وهم لا يشعرون بمكر الله. فالمعنى: ومكروا مكراً بما عملوه، ومكرنا مكراً أي جازيناهم على مكرهم.
وقيل: مكر الله بهم هو: إعلامه لصالح ومن آمن به بهلاكهم، وأمره لهم بالخروج من بين أظهرهم، ففعلوا، وأخذ العذاب الكفار دون غيرهم.
وقيل: المكر من الله الإتيان بالعقوبة المستحقة من حيث لا يدري العبد.
وقيل: المكر من الله: أخذه من أخذ منهم على غرة وغفلة.
قال إبراهيم بن عرفة: المكر من المخلوقين هو إظهار غير ما في النفوس ليوقعوا الحملة، ويبلغوا ما يريدون، والمكر من الله إظهار النظرة وترك العقوبة عاجلاً حتى يأخذه على غرة. ألم تسمع إلى قوله:
{ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ } [الأعراف: 182] أي أطيل لهم المدة.
روي في خبر صالح مع قومه: "أنهم قالوا: زعم صالح أنه يفرغ منا إلى ثلاث فنحن نفرغ منه، ومن أهله قبل ثلاث. وكان لصالح مسجد في الحجر في شعب يصلي فيه فخرجوا إلى كهف وقالوا: إذا جاء يصلي قتلناه، ثم رجعنا إذا فرغنا منه إلى أهله ففرغنا منهم، فبعث الله عليهم صخرة من أهضب جبالهم فخشوا أن تشدخهم فبادروا فطبقت الصخرة عليهم في ذلك، فلا يدري قومهم أين هم؟ ولا يدرون ما فعل بقومهم؟ فعذب الله هؤلاء هنا، وهؤلاء هنا، وأنجى صالحاً ومن معه.
ثم قال: {فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ}، أي فانظر يا محمد بعين قلبك إلى عاقبة غدر ثمود لنبيهم صالح كيف كان.
{أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ}، أي أهلكناهم وقومهم أجمعين.
ومن فتح {وَإِنَّا} ففيه خمسة أوجه:
الأول: أن يقدر اللام معها ثم يحذفها فتكون "أن" في موضع نصب على حذف حرف الجر منها.
الثاني: أن تكون "أن" في موضع رفع بدل من عاقبة، وكيف خبر كان في الوجهين.
الثالث: أن تكون في موضع نصب على خبر كان: أي كيف كان عاقبة مكرهم، تدميرهم، وتكون "كيف" ظرفاً عمل فيه جملة الكلام بعده، كما تقول: اليوم كان زيد منطلقاً.
الرابع: أن تكون "أن" في موضع رفع على إضمار مبتدأ للعاقبة والتقدير هي إنا دمرناهم.
الخامس: ذكره الفراء: أن يجعل "أن" بدلاً من كيف، وهذا الوجه بعيد.
فأما من كسر "إنا" فإنه يجعل "كيف": خبر كان و "عاقبة" اسم كان / ثم يستأنف فيكسر.
ثم قال تعالى: {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوۤاْ}، خاوية نصباً على الحال، ويجوز الرفع من خمسة أوجه:
الأول: أن ترفع "تلك" بالابتداء "وبيوتهم" بدل من تلك "وخاوية" خبر الابتداء.
والثاني: أن ترفع "تلك" بالابتداء و "خاوية" و "بيوتهم" خبر ثاني عن الابتداء كما يقال هذا حلو حامض.
الثالث: أن ترفع "خاوية" على إضمار مبتدأ: أي هي خاوية.
الرابع: أن تجعل "خاوية" بدلاً من بيوتهم كأنك قلت: فتلك خاوية.
الخامس: أن تقدر في بيوتهم الانفصال، فتجعل خاوية نعتاً للبيوت تقديره فتلك بيوت لهم خاوية.
والمعنى: فتلك مساكنهم خاوية منهم ليس فيها منهم أحد، قد أهلكوا بظلم أنفسهم. {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}، أي إن في فعلنا بثمود ما قصصنا عليك لعظة لمن يعلم.
وروي: أن بيوتهم هذه المذكورة: هي بوادي القرى: وهو موضع بين المدينة والشام معروف.