خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي ٱلأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ
١٥٢
-آل عمران

تفسير الهدايه إلى بلوغ النهايه

قوله: { وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ } الآية.
أعلم الله عز وجل المؤمنين أنه قد صدقهم وعده الذي أتاهم على لسان نبيه، وهو قوله للرماة بأحد: اثبتوا مكانكم ولا تبرحوا، وإن رأيتمونا هزمناهم، فإن لن نزال غالبين ما ثبتم مكانكم، ووعدهم بالنصر إن انتهوا إلى أمره.
وقال لمن معه غير الرماة: إذا هزمناهم فلا تتبعوهم فقام الرماة بأصل الجبل.
ثم إن طلحة بن عثمان صاحب لواء المشركين قام فقال: يا معشر أصحاب محمد، إنكم تزعمون أن الله تعالى يعجلنا بسيوفكم إلى النار، ويعجلكم بسيوفنا إلى الجنة، فهل منكم من أحد يعجله الله بسيفي إلى الجنة، أو يعجلني بسيفه إلى النار، فقام إليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: والذي نفسي بيده لا أفارقك حتى يعجلك الله بسيفي إلى النار، أو يعجلني بسيفك إلى الجنة، فضربه علي فقطع رجله فسقط، وانكشفت عورته فقال: أنشدك الله والرحم ابن عم، فتركه وكبّر النبي صلى الله عليه وسلم، وقال لعلي أصحابه: ما منعك أن تجيز عليه؟ فقال: إن ابن عمي ناشدني حين انكشفت عورته، فاستحييت منه، [ثم شد الزبير بن العوام والمقداد بن الأسود على المشركين فهزمهم، وحمل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهزموا أبا سفيان، فلما رأى ذلك خالد بن الوليد وهو على خيل المشركين حمل فرمته الرماة فانقمع، ثم أيقن الرماة بأن المشركين انهزموا، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم [وأصحابه] ينهبونهم، فلحق أكثرهم بالعسكر من نهب وثبت [الأقل] لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما رأى خالد بن الوليد قلة الرماة صاح في خيله، ثم حمل على من بقي من الرماة فقتلهم، وحمل على أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فلما رأى المشركون خيلهم تقاتل تراجعوا فشدوا على المسلمين فهزموهم، وقتلوا وجرحوا فأصيب من المسلمين سبعون رجلاً، وكان أبو سفيان أقبل إلى المدينة في ثلاث خلون من شوال، فنزل بأحد، وكانوا في ثلاثة آلاف معهم مائتا فارس، فخرج إليهم النبي صلى الله عليه وسلم [في سبعمائة رجل، فمعنى: { وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ } أي: الذي وعدكم على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم] من النصر إذا ثبت الرماة حق، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أخبرهم [أنهم] سيهزمون المشركين، فكان ما أخبرهم الله تعالى على لسان نبيهم صلى الله عليه وسلم حق، فهو الوعد الذي صدقهم الله تعالى. فلما (فشلتم وتنازعتم وعصيتم) طلباً للغنيمة يعني ما فعله الرماة والذين اتبعوا الهزيمة { بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ } وهو هزيمة المشركين. ومعنى { إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ } أي: تقتلونهم بعلمه، والحس: القتل الذريع وذلك في أول الهزيمة التي كانت على المشركين قبل أن يزول الرماة من مكانهم.
وقيل: بإذنه بحكمه. وقيل: بتسليطه إياكم عليهم.
ومعنى: { وَتَنَازَعْتُمْ فِي ٱلأَمْرِ } هو اختلاف الرماة قال قائلون: نمضي للغنيمة. وقال آخرون: لا نبرح ولا نخالف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فمضى الأكثر وكان ذلك سبب قتل من بقي.
ومعنى: { فَشِلْتُمْ } جبنتم، وتخاذلتم، وعصيتم النبي صلى الله عليه وسلم فيما أمركم به وقد كان الله تعالى: صدقكم وعده الذي أخبركم به نبيكم صلى الله عليه وسلم { أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ } من النصر إذ هزم عدوكم ولكنكم اخترتم الدنيا وهي الغنيمة.
قال مالك: لما نزلت يوم أحد: { مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ } قال عبد الله بن مسعود: والذي بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالحق ما ظننت أن فينا أحداً يريد الدنيا.
ومعنى: { مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا } أي: يريد الغنيمة، وأخذ الأموال وقوله: { ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ } أي: ثم صرفكم أيها المؤمنون عن المشركين بعد أن استوليتم عليهم، ورأيتم ما تحبون من هزيمتهم، وقتل صاحب رايتهم فعل ذلك بكم { لِيَبْتَلِيَكُمْ } أي يختبركم { وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ } هذا لمن عصى من الرماة خاصة. وقال ابن جريج: معنى { وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ } إذ لم يستأصلكم بالقتل، وقاله غيره.