خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

يٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً
١٢
وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيّاً
١٣
وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً
١٤
وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً
١٥
وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ ٱنتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً
١٦
فَٱتَّخَذَتْ مِن دُونِهِم حِجَاباً فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً
١٧
قَالَتْ إِنِّيۤ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً
١٨
قَالَ إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلاَماً زَكِيّاً
١٩
قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً
٢٠
قَالَ كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلْنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً
٢١
فَحَمَلَتْهُ فَٱنْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً
٢٢
فَأَجَآءَهَا ٱلْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ قَالَتْ يٰلَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً
٢٣
فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَآ أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً
٢٤
وَهُزِّىۤ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً
٢٥
-مريم

تفسير الجيلاني

ثم لما أومأ سوينا خلقة يحيى، وأخرجناه من بطن أمه صحيحاً سوياً، قلنا له تربية وتكريما: {يٰيَحْيَىٰ} الموهوب من لدنا المؤيد من عندنا {خُذِ ٱلْكِتَابَ} أي: التوراة واشرع في ضبطها وحفظها {بِقُوَّةٍ} أي: بِنِيّةٍ خالصةٍ وعزيمةٍ صحيحةٍ {وَ} إنما أمرناه بحفظها وضبطها؛ إذ {آتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ} يعني: الحكمة المندرجة فيها، وأعطينا فهمها واستنباط الأحكام منها حال كونه {صَبِيّاً} [مريم: 12] لم يبلغ الحلم.
{وَ} إنما آتيناه وأعطيناه في حال صغره فهم التوراة {حَنَاناً} ترحماً وتعطفاً ناشئاً {مِّن لَّدُنَّا} تكريماً له ولأبيه {وَ} لهذا أيضاً أعطيناه {زَكَاةً} طهارةً عن الخبائث والآثام كلها {وَ} لذلك {كَانَ} مدة حياته من أوان صباه إلى موته {تَقِيّاً} [مريم: 13] حَذِراً عن المناهي والمنكرات، خائفاً عن المعاصي والمحظورات.
{وَ} لنجابة طينته ألقينا في قلبه {بَرّاً} وإحساناً {بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن} في جميع أوقاته وحالاته {جَبَّاراً} عاقاً لهما مستكبراً عن أمرهما {عَصِيّاً} [مريم: 14] تاركاً حكمهما وأمرهما.
{وَ} لسلامته عن جميع الآثام وطهارته عن جميع الخبائث والمعاصي {سَلاَمٌ عَلَيْهِ} أي: تحيةُ وتكريمُ وحفظُ وتسليمُ نازلُ عليه على الدوام {يَوْمَ وُلِدَ} نحفظه من الشيطان {وَيَوْمَ يَمُوتُ} نحفظه من زوال الإيمان {وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً} [مريم: 15] نصونه عن الخيبة والخسران ولحوق الحسرة والخذلان.
{وَٱذْكُرْ} يا أكمل الرسل {فِي ٱلْكِتَابِ} أي: القرآن المنزل إليك سيد النساء {مَرْيَمَ} أي: قصتها، وحالتها العجيبة الشأن التي هي أغرب وأعجب من قصة زكريا، واذكر وقت {إِذِ ٱنتَبَذَتْ} أي: اعتزلت وتباعدت {مِنْ أَهْلِهَا} حين حاضت وطهرت وأرادت الاغتسال على مقتضى طهارتها الفطرية ونجابتها الجبلية، فاختارت للخلوة والتستر {مَكَاناً شَرْقِياً} [مريم: 16] أي: في مشرق بيت المقدس، ومع كونه مكاناً بعيداً خالياً عن الناس.
{فَٱتَّخَذَتْ} وسدلت لكمال الاحتياط والانحفاظ {مِن دُونِهِم حِجَاباً} يسترها، ويحفظها عن أعين الناس إن وصلوا بغتة، لم لم تجردت عن لباسها واشتغلت؛ لأن تغتسل {فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا} أي: حامل روحنا وهو جبرائيل عليه السلام إظهاراً لقدرتنا وحكمتنا، وإنفاذاً لحُكمنا الذي حكمنا به في سابق علمنا {فَتَمَثَّلَ لَهَا} جبرائيل عليه السلام {بَشَراً سَوِيّاً} [مريم: 17] صحيحاً صبيحاً أمردَ قططاً مجعدَ الشعر لئلا تستوحض، ومع ذلك استوحشت وارتهبت رهبةً شديدةً، ومن غاية خوفها منه واضطرابها {قَالَتْ إِنِّيۤ أَعُوذُ} وألوذ {بِٱلرَّحْمَـٰنِ} الذي كفى لحفظ عباده عن مطلق الشذوذ سيما {مِنكَ} أي: من شرِّك ومن شرِّ أمثالك فامتنع أنت بنفسك عني {إِن كُنتَ تَقِيّاً} [مريم: 18] خائفاً عن الله، حذراً عن بطشه وانتقامه.
ثم لما رأى جبريل عليه لسلام من كمال عفتها وعصمتها ما رأى: {قَالَ} مستحيياً معتذارً: {إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ} أرسلني إليك {لأَهَبَ لَكِ} بإذن الله إياي وأمره {غُلاَماً زَكِيّاً} [مريم: 19] طاهراً عن جميع الرذائل والآثام، مترقياً في فنوف الفضائل والكمالات إلى أقصى النهايات، مظهِراً لأنواع المعجزات والكمالات والكرامات، وأصناف الإرهاصات الخارقة للعادات.
ثم لما سمعت عليها لسلام مقالته، وتفطنت بنور الولاية أنه من قبل الله {قَالَتْ} مستعجبةً مشتكيةً مستحيةً: {أَنَّىٰ} أي: من أين {لَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ} لم يجرِ عليّ أسبابه؛ إذ {يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَ} بالنكاح مساسَ مواقعةٍ موجبةً للجمل والحبل {وَلَمْ أَكُ} في مدة حياتي عاصيةً لله فاسقةً خارجةً عن مقتضى حدوده لأكون {بَغِيّاً} [مريم: 20] فاحشةً زانيةً يلد مني ولد الزنا.
{قَالَ} جبرائيل عليه السلام: {كَذٰلِكَ} جرى حكم ربك، وأمضى عليه في سابق قضائه لا تستبعدي ولا تستعسري؛ إذ {قَالَ رَبُّكِ} الذي ربَّاك على العصمة والعفاف {هُوَ} أي: هبة الولد لك بلا مساس البشر، وسبق الأسباب العادية {عَلَيَّ هَيِّنٌ} سهلُ يسيرُ؛ إذ لا يعسر علينا شيء، ولا يعجز عن قدرتنا مقدورُ، بل إذا أردناه نقول له: كن فيكون بلا سبق سببٍ وعلةٍ، {وَ} إنما نظهره ونوجده {لِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلْنَّاسِ} دالةً على كمال قدرتنا وبدائع صنعنا وحكمتنا {وَرَحْمَةً} نازلةً {مِّنَّا} على عبادتنا سيما عليك يا مريم {وَكَانَ} خلق عيسى ظهورهُ بلا أب في العالم، وعروجه إلى السماء {أَمْراً مَّقْضِيّاً} [مريم: 21] كائناً مثبتاً في لوح قضائنا وحضرة علمنا.
ثم لما سمعت ما سمعت نفخ جبرائيل عليه السلام في درعها، فوصل أثرها إلى جوفها فحبلت: {فَحَمَلَتْهُ} أي: صارت حاملةً بعيسى فجأةً وكبر في بطنها في الساعة، وبعدما ظهر عليها من أمارات الطَّلق ما ظهر {فَٱنْتَبَذَتْ} واعتزلت وتباعدت منفردةً {بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً} [مريم: 22] بعيداً عن العمران استحياءً من أهلها، ومن لوم الناس إياها وتعييرهم عليها بولادتها بلا زوج.
{فَأَجَآءَهَا ٱلْمَخَاضُ} وظهر أمارة الولادة، فألجأها التشبث {إِلَىٰ جِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ} اليابسة؛ لتعتمد عليها عند الولادة، وتُستر بها عن الناس {قَالَتْ} حينئذ من شدة حزنها وكآبتها، ووفور ضجرتها من ألم الملامة والفضاحة متيمنةً موتها: {يٰلَيْتَنِي مِتُّ} وعُدمت {قَبْلَ هَـٰذَا} اللوم والفضيحة {وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً} [مريم: 23] متروكاً معدوماً لا التفات لأحدٍ إليّ أصلاً.
ثم لما وضعت حملها واشتد الألم عليها {فَنَادَاهَا} أي: نادى الوليدُ أمه {مِن تَحْتِهَآ} بإلهام الله إياه وتنشيطاً: {أَلاَّ تَحْزَنِي} يا أمي، ولا يشتد عليك الأ/ر بواسطة ولادتي وظهوري بلا أبٍ، واعلمي {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ} ولداً {سَرِيّاً} [مريم: 24] سيداً مطيعاً نقياً سجياً سخياً ذا إرهاصاتٍ وكراماتٍ، من جملتها: إنه ظهر لك من تحت رجلك نهراً جارياً لدفع عطشك وتطهير الفضلات عن بدنك وثيابك.
{وَ} لدفع جوعك {هُزِّىۤ إِلَيْكِ} أي: حرِّكي إلى نفسك حين أخذت {بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ} التي في جنبك {تُسَاقِطْ} أي: تتساقط منها ثمارها {عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً} [مريم: 25] بالغاً في النضج غايته، وحان وقت اجتنابه.
قيل: كانت النخلة يابسة لا رأس لها، والوقت وقت الشتاء، فتغصنت في تلك الحالة، وأثمرت ونضجت ثمارها كرامةً لعيسى وإرهاصاً لأمه صلوات الرحمن عليهما.