خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي ٱلْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ وَٱتَّقُونِ يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ
١٩٧
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَٰتٍ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَٰكُمْ وَإِن كُنْتُمْ مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلضَّآلِّينَ
١٩٨
-البقرة

تفسير الجيلاني

ثم لم أمر سبحانه عباده بالحج، بأن يأتوا إلى بيته من كل بلد بعيد وفج عميق، عين له وقتاً معنياً من الأوقات التي لها فضيلة ومنزلة عنده سبحانه، فقال: {ٱلْحَجُّ} أي: أوقات الحج {أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ} متبركات معروفات، وهي: شوال وذو القعدة وذو الحجة بتمامها أو بعضها على ما خولف فيه {فَمَن فَرَضَ} على نفسه {فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ} بأن ارتكب بشرائطه وأركانه عادياً له في خلال هذه الأشهر، لزمه إتمامه بلا فسخ العزيمة وقلب النية وحل المحرمات فيه {فَلاَ رَفَثَ} أي: لا جماع ولا وقاع وإن طالت المدة {وَلاَ فُسُوقَ} ولا خروج عن حدود الله بارتكاب المحظورات {وَلاَ جِدَالَ} ولا مجادلة ولا مراءاة مع الخدام والرفقاء {فِي} أيام {ٱلْحَجِّ} إذ الحج كناية عن الموت الإداري المنبئ عن الحياة الحقيقة، وهذه الأمور من أوصاف الأحياء بالحياة الطبيعية، فمن قصد الحج الحقيقي والحياة الحقيقية، فله أن يميت نفسه من لوازم الحياة الطبيعية المستعارة، الغير القارة؛ ليفوز بالحياة الحقيقية الازلية والبقاء الأبدي السرمدي، وذلك لا يتيسر إلا بالخروج عن مقتضيات عقل الجزئي المشوب بالوهم والخيال، بل هو مقلوب منها محكوم لها دائماً.
ولا يحصل ذلك إلا للسالك الناسك الذي جذبه الحق عن نفسه متدرجاً مرتقياً من عالمٍ إلى عالمٍ من العوالم المنتخبة عنها ذاته إلى أن وصل إلى مقامٍ ومرتبةٍ طويت المراتب كلها عنده، وفنيت العوالم بأسرها فيها، وفني فيها أيضاً، وهي فناؤها أيضاً فيها، ولم ينزل فيها هابطاً أصلاً، بل تقرر وتمكن واطمأن فيها كما نشاهد مثلها متحسرين، متمنين لها من بعض بدلاء الزمان، مد الله ظلاله العالي على مفارق أهل اليقين والعرفان، وإبهام اسمه لإبهام شأنه، هيهات هيهات ما لنا وما لحتى حتى نتكم عنه.
جعلنا الله من خُدَّام تُراب أقدامه.
وبعدما أمر سبحانه عباده بحج بيته تعظيماً له ولبيته، حثهم على الخيرات، وبذل المال فها وفي طريقها؛ لتقرر في نفوسهم هذه الخصلة الحميدة؛ إذ هو المناع من ميل القلوب إلى المحبوب الحقيقي وهو رأس كل فتنة فقال: {وَمَا تَفْعَلُواْ} لرضاء الله {مِنْ خَيْرٍ} خالصٍ عن ثوب المنة والأذى، عارٍ عن العجب والرياء، سالمٍ عن وسوسة شياطين الأهواء {يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ} بالحضور،؛ إذ أمثال هذه الخيرات جارٍ على الصراط المستقيم الذي هو صراط الله الأعظم الأقوم {وَتَزَوَّدُواْ} للعبور على صراط الله بالتقوى عن الدنيا وما فيها {فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ} للعباد ليوم المعاد هو {ٱلتَّقْوَىٰ} عن جميع الفساد {وَٱتَّقُونِ يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} [البقرة: 197] المتوجهين إلى لب اللباب، والمتمايلين عن القشور العائقة عن الحضور، أدركنا بلفطك يا خفي الألطاف.
{لَيْسَ عَلَيْكُمْ} أيها المؤمنون {جُنَاحٌ} ضيق وتعب اتقائكم من سخط الله وتزويدكم بالتقوى {أَن تَبْتَغُواْ} أي: كل منكم {فَضْلاً} من المعارف اليقينية واللذات الروحانية {مِّن رَّبِّكُمْ} الذي رباكم بأنواع اللطف والكرم {فَإِذَآ أَفَضْتُم} أيها المؤمنون {مِّنْ عَرَفَٰتٍ} الذات المحيطة بجميع الصفات المرتبة لكم، جمعها باعتبار وصول كل من الواصلين إليها بطريق مخصوص، وإن كانت بعد الوصول واحدةً، وحدةً حقيقيةً ذاتيةً لا كثرة فيها أصلاً {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ} المستجمع لذواتكم {عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ} أي: الصفات المحرمة ثبوتها لغير ذات الله، أفرده لاختصاص كلٍ بصفة مخصوصة يربيه {وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَٰكُمْ} بتفويض الأمور كلها إليه، واتقائكم نحوه من وساوس الشياطين المضلة {وَإِن كُنْتُمْ مِّن قَبْلِهِ} أي: قبل إهدائه {لَمِنَ ٱلضَّآلِّينَ} [البقرة: 198] التائهين في بيدات الضلالة، الناكبين عن الهداية الحقيقية.