خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

طه
١
مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ
٢
إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ
٣
تَنزِيلاً مِّمَّنْ خَلَقَ ٱلأَرْضَ وَٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلْعُلَى
٤
ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ
٥
لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ ٱلثَّرَىٰ
٦
وَإِن تَجْهَرْ بِٱلْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى
٧
ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ
٨
وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ
٩
إِذْ رَأَى نَاراً فَقَالَ لأَهْلِهِ ٱمْكُثُوۤاْ إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً لَّعَلِّيۤ آتِيكُمْ مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدًى
١٠
فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيَ يٰمُوسَىٰ
١١
إِنِّيۤ أَنَاْ رَبُّكَ فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى
١٢
-طه

تفسير الجيلاني

{طه} [طه: 1] طالب الهدياة العامة على كافرة البرايا.
{مَآ أَنَزَلْنَا} من مقام إرشادنا وتكملينا {عَلَيْكَ} أيها المتوجهُ إلى السعادة الأبدية، المعِرضُ عن الشقاوة {ٱلْقُرْآنَ} الفرقانَ بين الهداية والضلالة، والسعادة والشقاوة {لِتَشْقَىٰ} [طه: 2] أي: لتكون شقياً بنزوله بعدما كنت سعيداً قبله كما توهمه الكفار.
بل ما أنزلناه {إِلاَّ تَذْكِرَةً} للسعادة العظمة لك ولمن تبعك، لا لكل أحدٍ مهم بل {لِّمَن يَخْشَىٰ} [طه: 3] من إنذاراته وتخويفاته، وامتثل بأوامره، واجتنب عن نواهيه؛ إذ أنزل القرآن عليك من عموم رحمتنا على كافة الخلق.
لذلك نزلناه {تَنزِيلاً مِّمَّنْ} أي: من سامنا الذي بواسطته {خَلَقَ ٱلأَرْضَ} أي: أوجدنا العالم السفلي { وَٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلْعُلَى} [طه: 4] أي: العالم العلوي، وذلك السام هو {ٱلرَّحْمَـٰنُ} الذي ظهر واستقر بالرحمة العامة {عَلَى ٱلْعَرْشِ} أي: على عروش الذرائر، بحيث لا يخرج عن حيطة علمه ذرةُ من الذرات، بل {ٱسْتَوَىٰ} [طه: 5]. على جميعها
إذ {لَهُ} الاستيلاءُ والإحاطةُ التامةُ على {مَا} ظهر {فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَ} على {مَا} ظهر {فِي ٱلأَرْضِ} من الكائنات والفاسدات {وَ} كذا على {مَا} ظهر {بَيْنَهُمَا} من الأمور الكائنة فيها {وَ} كذا {مَا} هو كائنُ وسيكون {تَحْتَ ٱلثَّرَىٰ} [طه: 6].
هذا باعتبار ظهوره واستيلائه على الآفاق الخارجة عنك {وَ} أما ظهوره واستيلاؤه على نفسك، فإنه يستولي على ذاتك وأفعالك وأقوالك؛ بحيث {إِن تَجْهَرْ بِٱلْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ} القولَ بالجهر منك، الذي تعلمه أنت أيضاً وغيرك، بل {ٱلسِّرَّ} الذي لا يعلمه غيرك {وَأَخْفَى} [طه: 7] من السرِّ الذي لا تعلمه أنت أيضاً من مقتضيات استعداداتك قبل الخطور ببالك.
وإذا كان الحق محيطاً ومستولياً على عروش ما ظهر وما بطن، فلا يكون الموجود الثابت إلا {ٱللَّهُ} أي: مسمى هذا الاسم الجامع جميع مراتب العالم بحيث لا يخرج عن حيطته شيء أصلاً؛ إذ {لاۤ إِلَـٰهَ} أي: لا موجوداً {إِلاَّ هُوَ} أي: هذا المسمى الذي لا تعدد فيه أصلاً، فيكون أحداً صمداً فرداً وتراً، لم يتخذ صاحبةً ولا ولداً.
غايةُ ما في الباب أن {لَهُ} أي: لهذا المسمى {ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ} [طه: 8] الكليةُ التي جزئياتها لا تُعدُّ ولا تُحصى، وباختلاف الأسماء، اختلفت الظهورات والتجليات عن المسمى.
وكما نبهناك يا أكمل الرسل على ظهورنا في الكائنات مجملاً، نبَّهناك عليها مفصلاً {وَ} ذلك أنه {هَلْ أَتَاكَ} أي: قد ثبت و تحقق عندك الكليم {حَدِيثُ مُوسَىٰ} [طه: 9] أي: قصةُ انكشافه من النار التي احتاج إليها هو وأهله في الليلة الشاتية المظلمة، وقت {إِذْ رَأَى نَاراً} مطلوبةً لدفع البرودة، ولوجدان الطريق في الظلمة {فَقَالَ لأَهْلِهِ} المحتاجين إليها في تلك الليلة: {ٱمْكُثُوۤاْ إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً لَّعَلِّيۤ} أو أنس عندها مع إنسان استخبره عن الطريق، وحين رجوعي إليكم {آتِيكُمْ مِّنْهَا بِقَبَسٍ} تتصطلون به {أَوْ} أتخذ منها سراجاً {أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ} اي: مع السراج المسرجة منها {هُدًى} [طه: 10] طريقاً موصلاً إلى مطلوبنا.
{فَلَمَّآ أَتَاهَا} مسرعاً؛ ليرجع إليهم دفعةً {نُودِيَ} من جانب الشجرة الموقدة ليقبل إليها فينكشف منها {يٰمُوسَىٰ} [طه: 11] المتحير في بيداء الطلب: اطلبني من هذه الشجرة الموقدة، ولا تستبعد ظهوري فيها حتى أنكشف لك منها.
{إِنِّيۤ} وإن ظهرتُ على هذه الصورة المطلوبة لك هذا {أَنَاْ رَبُّكَ} أي: مطلوبك الحقيقي الذي ربيتك بأنواع اللطف والكرم، وابتليتك بأنواع البلاء في طريق المجاهدة؛ لتتوجه إليُّ فتعرفني، فالآن ارتفعت الحجب والقيود، وتحققتَ بمقام الكشف والشهود {فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ} فاسترح عن الطلب بعد وجدان الرب، وتمكْن ي مقعد الصدق {إِنَّكَ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ} عن رذائل الأغيار {طُوًى} [طه: 12] أي: طويتَ التوجُّه إلى الغير، ولم يبقَ لك احتياج إلى الاستكمال.