خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلاَّ كَبِيراً لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ
٥٨
قَالُواْ مَن فَعَلَ هَـٰذَا بِآلِهَتِنَآ إِنَّهُ لَمِنَ ٱلظَّالِمِينَ
٥٩
قَالُواْ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ
٦٠
قَالُواْ فَأْتُواْ بِهِ عَلَىٰ أَعْيُنِ ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ
٦١
قَالُوۤاْ أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَـٰذَا بِآلِهَتِنَا يٰإِبْرَاهِيمُ
٦٢
قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ
٦٣
فَرَجَعُوۤاْ إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ فَقَالُوۤاْ إِنَّكُمْ أَنتُمُ ٱلظَّالِمُونَ
٦٤
ثُمَّ نُكِسُواْ عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَـٰؤُلاۤءِ يَنطِقُونَ
٦٥
قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلاَ يَضُرُّكُمْ
٦٦
أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ
٦٧
قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَٱنصُرُوۤاْ آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ
٦٨
-الأنبياء

تفسير الجيلاني

ثم لما ذهبوا إلى معبدهم دخل إبراهيم كنيستهم ومعبدهم التي فيها أصنامهم وأوثانهم {فَجَعَلَهُمْ} كلها {جُذَاذاً} قطعاً منكسرة وأجزاء متلاشية {إِلاَّ كَبِيراً لَّهُمْ} يعني: لم يكسر الصنم الكبير من الأصنام فقط؛ ليكون سبباً لإلزامهم، وإفحامهم لدى الحاجة {لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ} أي: إلى الصنم الكبير {يَرْجِعُونَ} [الأنبياء: 58] أي: يراجعون له ويستفسرون منه عن كسر الأصنام؛ لأنهم اعقدوه أعظم الآلهة، والإله لا بدَّ أن يجيب لهم جميع حوائجهم وحاجاتهم.
ثم لما رجعوا من معبدهم ودخلو إلى معابدهم وكنائسهم للعبادة والتقرب نحو الآلهة، وجدوها مجذوذة منكسرة متفرقة الأجزاء {قَالُواْ} من فرط حزنهم وأسفهم مستبعدين مستحسرين: {مَن فَعَلَ هَـٰذَا} الفعل الفظيع والأمر الفجيع {بِآلِهَتِنَآ} ومعبوداتنا {إِنَّهُ لَمِنَ ٱلظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 59] الخارجين عن شعائر ديننا الجاحدين لآلهتهم.
{قَالُواْ} أي: السامعون منهم للسائلين: {سَمِعْنَا فَتًى} نكَّروه تحقيراً له، وإعانة عليه {يَذْكُرُهُمْ} أي: الآلهة بالسوء دائماً، ويعيب عليهم، وينكرهم {يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ} [الأنبياء: 60].
ثم لما انتشر الخبر واجتمعوا في المعبد مزدحمين متشاورين في انتقامه، واستقرارهم رأيهم عدماً تمادى مشورتهم إلى أن {قَالُواْ} متفقين: {فَأْتُواْ بِهِ} أي: بإبراهيم {عَلَىٰ أَعْيُنِ ٱلنَّاسِ} ورؤوس الملأ والأشهاد {لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ} [الأنبياء: 61] يحضرون ويجتمعون؛ يعني: جميع المعبودين لقتله وهلاكه، حتى ينال كل منهم نصيب حظه من نصر الآلهة.
ثم لما حضر نمرود واجتمع أشراف ممكلته، وازدحم العوام والخواص، وأحضروه لينتقموا عنه {قَالُوۤاْ} أولاً له على سبيل التعيير والتقريع: {أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَـٰذَا} الفعل الشنيع، والأمر القطيع الفجيع {بِآلِهَتِنَا} ومعبوداتنا {يٰإِبْرَاهِيمُ} [الأنبياء: 62] المرذول المجهول.
{قَالَ} في جوابهم على مقتضى اعتقادهم وزعمهم: أنا عبد مألوه مربوب، وهم آلهة معبودون، كيف أقدر أن أفعل بهم هذا {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا} أي: هذا الصنم الغير المنكسر؛ لئلا يشاركوا معه في المعبودية والألوهية، وإن شككتم أنه فعل هذا هو أم أنا {فَاسْأَلُوهُمْ} أي: الآلهة {إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ} [الأنبياء: 63] يعين: إن اعتقدتم نطقهم وتكلمهم؛ لأنهم آلهة، ومن لوازم الألوهية: التكلم، والتنطق، بل أنتم تعتقدون أن هؤلاء خلقوا جميع أهل التكلم واللسان، فهم أولى وأحق بجواب سؤالكم هذا.
ولما سمعا منه ما سمعوا {فَرَجَعُوۤاْ إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ} متأملين؛ أي: رجع كل منهم إلى وجدانه ونفسه متفكراً متدبراً {فَقَالُوۤاْ} أي: كل منم في سره ونجواه: {إِنَّكُمْ} أيها الجاهلون الغافلون عن قدر الألوهية والربوبية {أَنتُمُ ٱلظَّالِمُونَ} [الأنبياء: 64] المقصورون على الخروج عن مقتضى العقل الفطري والرشد الجبلي، ما هذه إلا تماثيلٌ مصنوعةٌ لكم منحوتة بأيديكم، من أين توجدكم وتخلقكم، بل أنتم موجدوها ومختروعها.
{ثُمَّ} لما تفرسوا بخطئهم وتفطنوا بحقية إبراهيم وصدقة في مقاله، أزعجتهم الغيرة البشرية والحمية الجاهلية إلى المراء والمجادلة معه لذلك {نُكِسُواْ عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ} يعني: بعدما علموا أعلى الأمر وأسفله، وفرقوا بين الحق والباطل، أرادوا أن يقلبوا الأمر وعكسوه عناداً ومكابرة وقالوا مكابرة: {لَقَدْ عَلِمْتَ} أيها المجادل المفتون {مَا هَـٰؤُلاۤءِ} الآلهة {يَنطِقُونَ} [الأنبياء: 65] إذ هم جمادات لاحس لهم ولا شعور، كيف يتيسر لهم التكلم والتنطق.
وبعدما اعترفوا بحمادية آلهتهم وعدم قابليتهم للنطق، والتنطق، والتكلم {قَالَ} إبراهيم موبخاً عليهم ومقرعاً: {أَ} ما تستحيون وتخجلون أيها الضالون المكابرون {فَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} الواحد الأحد المتوحد بالألوهية والربوبية، المستقل بجميع التصرفات الواقعة في عالم الغيب والشهادة {مَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلاَ يَضُرُّكُمْ} [الأنبياء: 66] أي: أصناماً وأوثاناً، لا يرجى منهم النفع والضر.
ثم لما قال على سبيل الضجر والإكراه عن أمرهم، والتأسف على ضيق عقلهم المفاض لهم من ربهم لمصلحة المعرفة والإيمان: {أُفٍّ لَّكُمْ} أي: قبحاً لكم أيها المطرودون المردودون عن زمرة العقلاء {وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} المستقل للنفع الضرر، وجلب أنواع الخيرات، ودفع أصناف المضرات {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [الأنبياء: 67] أيها المتخذون لله شركاء، ولا تستعملون عقولكم الموهبة لكم لكسب المعارف والحقائق؛ للتتفطنوا إلى سرائر التوحيد الخالي عن شوب التخمين وشين التقليد
{ وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ } [النور: 40].
ثم لما سمعوا منه التعيير والتشنيع ثارت نار حميتهم واشتد غيظ غيرتهم {قَالُواْ} بعدما شاوروا كثيراً في وجه إهلاكه وانتقامه: {حَرِّقُوهُ} إذ لا عذاب أقرع وأهول منه {وَٱنصُرُوۤاْ} بحرقة {آلِهَتَكُمْ} لأن التعذيب بالنار مخصوص بالإلهة، كما قال "لاَ يُعَذِّبُ بِالنَّارِ غَيْرُ خَالِقِهِا" ولما كان تعذيبهم إياه لأجل آلهتهم، لذلك اختاروا تعذيبه بالنار {إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ} [الأنبياء: 68] ناصرين آلهتكم بأخذ انتقامهم عنه.