خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ فَاسْئَلُوۤاْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ
٧
وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لاَّ يَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَمَا كَانُواْ خَالِدِينَ
٨
ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ ٱلْوَعْدَ فَأَنجَيْنَاهُمْ وَمَن نَّشَآءُ وَأَهْلَكْنَا ٱلْمُسْرفِينَ
٩
لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ
١٠
وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ
١١
-الأنبياء

تفسير الجيلاني

{وَ} إن أنكروا رسالتك يا أكمل الرسل معلِّلين بأنك بشرُ مثلهم، والبشر لا يكون رسولاً، قل لهم نيابة عنَّا: {مَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ} رسولاً على أمةٍ من الأمم الماضية {إِلاَّ} أرسلنا {رِجَالاً} منهم لا نساءً، كاملاً في الرجولية والعقل، بالغاً نهاية الرشد والتكميل {نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ} مثلما أوحينا إليك؛ ليرشدوا الناس إلى توحيدنا، ويوقظوهم من منام الغفلة، ويهدوهم إلى الصلاح، والفوز بالفلاح، وإن أنكروا هذا قل لهم: {فَاسْئَلُوۤاْ أَ} أيها المنكرون {هْلَ ٱلذِّكْرِ} أي: العلم والخبرة من أحبارهم وقسيسكم من المشتغلين لحفظ التوراة والإنجيل وسائر الكتب الإلهية {إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [الأنبياء: 7] أيها الجاهلون المكابرون.
{وَ} إن أنكروا رسالتك معللين بأنك تأكل وتشرب مثلهم، والرسول لا بدَّ ألاَّ يأكل ولا يشرب مثل سائر الناس، قل لهم أيضاً نيابةً عنَّا: {مَا جَعَلْنَاهُمْ} أي: الرسل الماضين {جَسَداً} أي: أجراماً وأصناماً {لاَّ يَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ} بدل ما يتخلل من أجزائهمن ولا يشربون الشراب المحلّل لغذائهم؛ إذ هم أجسام ممكنة محدَثُة، محتاجةُ إلى التغذي، قابلةُ للنمو والذبول، مشرفةُ إلى الفناء والانهدام مثل أجسام سائر الأنام {وَمَا كَانُواْ خَالِدِينَ} [الأنبياء: 8] دائمين مستمرين بلا ورود موتٍ عليهم، وتحليلٍ لتركيبهم، بل هم هلكى في قبضة قدرتنا وجنب وجودنا وحياتنا.
{ثُمَّ} بعدما كذَّبهم المنكرون {صَدَقْنَاهُمُ ٱلْوَعْدَ} وأوفينا لهم الوعود المعهودة الذي وعدناهم من إهلاك عدوهم وإنجائهم من بينهم سالمين {فَأَنجَيْنَاهُمْ} على الوجه الذي عهدنا معهم {وَمَن نَّشَآءُ} من أتباعهم الذين سبقت رحمتنا عليهم في حضرة علمنا {وَأَهْلَكْنَا ٱلْمُسْرفِينَ} [الأنبياء: 9] المصرين على البغي والعناد، المنهمكين في الجور والفساد.
ثم قال سبحانه: {لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ} يا معشر قريش {كِتَاباً} جامعاً لما في الكتب السالفة مع أنه ذُكِرَ {فِيهِ ذِكْرُكُمْ} وشرفُكم، ونجابةُ عرقكم، وطينتِكم، وكمال دِينكم، ونبيِّكم، وظهوره على الأديان {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [الأنبياء: 10] كلها، وتستعملون عقولكم بما فيه فتدركون مزيةَ كتابكم، ورسولكم على سائر الكتب والرسل، ويشرف دينكم على سائر الأديان.
ولا تبالوا أيها المترفون بترفهكم وتنعمكم، ولا تعتروا بإمهالنا إياكم، ولا تؤمِّنوا عن فكرنا وإنزال عذابنا ونكالنا.
{وَ} اعلموا أنَّا {كَمْ قَصَمْنَا} أي: قهرنا كثيراً {مِن} أهل {قَرْيَةٍ} وكسرنا ظهورهم، وبعدناهم عن أماكنهم التي يترفهون فيها؛ لأنها {كَانَتْ ظَالِمَةً} خارجةُ عن مقتضى الأوامر والنواهي المنزلة منَّا على رسلنا أمثالكم، وبعدما أخرجناها وأهلكناها { وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا} وبدلنا أهلها {قَوْماً آخَرِينَ} [الأنبياء: 11] منقادين لحكمنا مطيعين لأمرنا.