خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

إِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُونِ
٩٢
وَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ
٩٣
فَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ
٩٤
وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ
٩٥
حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ
٩٦
وَٱقْتَرَبَ ٱلْوَعْدُ ٱلْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يٰوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ
٩٧
إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ
٩٨
لَوْ كَانَ هَـٰؤُلاۤءِ آلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ
٩٩
لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ
١٠٠
-الأنبياء

تفسير الجيلاني

ثم قال سبحانه مخاطباً لجماهير الأنبياء والرسل وأممهم: {إِنَّ هَـٰذِهِ} الملة التي هي ملة الإسلام، وطريق التوحيد والفرقان {أُمَّتُكُمْ} أي: قدوتكم وقبلتكم وقصارى أمركم، والحكمة في جبلتكم وخلقكم ما كانت إلا {أُمَّةً وَاحِدَةً} لا تعدد فيها أصلاً {وَأَنَاْ رَبُّكُمْ} الواحد الأحد الصمد الفرد {فَٱعْبُدُونِ} [الأنبياء: 92] أيها الضلال المنعكسة من أسمائي وأوصافي، وتوجهوا نحوي بغاية التذلل والخضوع، ونهاية الانكسار والخشوع.
{وَ} بعدما كانوا أمة واحد لا اختلاف فيهم أصلاً {تَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ} أي: أمر دينهم قطعاً، وتحزبوا أحزاباً فوقع النزاع {بَيْنَهُمْ} فاختلفوا اختلافاً كثيراً على سبيل المراء والمجادلة، ولا تبال بهم وباختلافهم وتحزبهم؛ إذ {كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ} [الأنبياء: 93] رجوع الأمواج إلى البحر.
وبعدما اختلفوا وتعددوا: {فَمَن يَعْمَلْ} منهم {مِنَ ٱلصَّالِحَاتِ} المرضية لنا المقبولة عندنا {وَهُوَ مُؤْمِنٌ} موقن بتوحيدنا، مصدق لرسلنا وكتبنا {فَلاَ كُفْرَانَ} ولا تضييع منَّا {لِسَعْيِهِ} الذي سعى في طريقنا طلباً لمرضاتنا، بل {وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ} [الأنبياء: 94] حافظون حارسون ما صدر عنه من الخيرات الموجبة للمثوبات، ورفع الدرجات، فنعطيه ما استحق له من الثواب بلا فوت شيء منها.
{وَ} حفظنا وحراستنا {حَرَامٌ} ممنوع منَّا محرمٌ {عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ} أي: أهلها قهراً وغضباً منَّا إياهم بسبب {أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} [الأنبياء: 95] ولا يتوجهون إلينا، ولا يؤمنون بتوحيدنا ولا يصدقون بكتبنا ورسلنا، بل يكذبون وينكرون، وهكذا تتمادى حرمتنا ومنعنا أياهم إلى أن ظهرت أشراط الساعة ولاحت أمراتها.
{حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ} وفتقت {يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ} سدهما الذي شدَّ بينهما وبين سائر الناس {وَهُمْ} بعد فتح السد، ورفع المانع من غاية عدوانهم مع الناس، وحرصهم على تخريب البلاد {مِّن كُلِّ حَدَبٍ} أي: تلال وجبال {يَنسِلُونَ} [الأنبياء: 96] يسرعون إلى الناس كالذباب الجوّع.
{وَ} بعدما {ٱقْتَرَبَ} ودنا {ٱلْوَعْدُ ٱلْحَقُّ} الموعود المحقق الذي هو فتح السد وخروجهما من أشراطه وعلامته، وقامت القيامة {فَإِذَا هِيَ} أي: الشأن والقصة حين أنها {شَاخِصَةٌ} حائرة مدهوشة مضطربة {أَبْصَارُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} في النشأة الأولى بالله، وكذبوا بهذا اليوم، فيقولون حينئذ متحسرين خائبين: {يٰوَيْلَنَا} وهلاكنا تعال فالآن وقت حلولك {قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ} عظيمة {مِّنْ} مجيء {هَـٰذَا} اليوم في نشأتنا الأولى {بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ} [الأنبياء: 97] خارجين عن مقتضى الحكم الإلهي، منكرين لهذا اليوم بعدما أخبره بوقوعه الرسلُ ونطلق به الكتب.
ثم خاطب سبحانه الكافرين الذين أشركوا بالله مع أنه سبحانه لم ينزل عليه سلطاناً خطابا عاماً شاملاً للعابدين ومعبوداتهم فقال: {إِنَّكُمْ} أيها المشركون الجاهلون بقدر الله وعلو شأنه {وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} من الأضلال والتماثيل التي اتخذتموها آلهة، وادعيتم استحقاقها للعبادة والإطاعة أنتم وهم كلكم {حَصَبُ جَهَنَّمَ} أي: حطبها ووقودها {أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} [الأنبياء: 98] ورودَ الأنعام للماء.
{لَوْ كَانَ هَـٰؤُلاۤءِ آلِهَةً} كما زعمتم واعتقدتم {مَّا وَرَدُوهَا} لأنهم ينقذونكم منها ألبتة، ولا هم آلهةُ لكنهم يردون النار، جميعاً عابداً ومعبوداً، فظهر أنهم ما كانوا آلهةً، بل عبادُ أمثالكم {وَكُلٌّ} منكم ومنهم {فِيهَا خَالِدُونَ} [الأنبياء: 99] مخلدون معذبون دائماً.
{لَهُمْ فِيهَا} أي: لأهل النار في النار {زَفِيرٌ} تنفيس شديد، وأنين طويلِ {وَهُمْ فِيهَا} من شدة الأهوال والأفزاع {لاَ يَسْمَعُونَ} [الأنبياء: 100].
ثم لما نزلت هذه الآية اعترض ابن الزبعري بأن عزيراً وعيسى والملائكة من المعبودين، فهم أيضاً في النار، مع أنهم من الأنبياء والمَلَك، وهم محفوظون منها على زعمكم.