خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

حُنَفَآءَ للَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَتَخْطَفُهُ ٱلطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ ٱلرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ
٣١
ذٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ
٣٢
لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ
٣٣
وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً لِّيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مِّن بَهِيمَةِ ٱلأَنْعَامِ فَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُواْ وَبَشِّرِ ٱلْمُخْبِتِينَ
٣٤
ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَٱلصَّٰبِرِينَ عَلَىٰ مَآ أَصَابَهُمْ وَٱلْمُقِيمِي ٱلصَّلَٰوةِ وَمِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ يُنفِقُونَ
٣٥
وَٱلْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِّن شَعَائِرِ ٱللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآفَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ ٱلْقَانِعَ وَٱلْمُعْتَرَّ كَذٰلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
٣٦
لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا وَلَـٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْ كَذٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ ٱلْمُحْسِنِينَ
٣٧
-الحج

تفسير الجيلاني

يعني: اجتبوا عن الشرك والمعاصي المنافية للتوحيد، وكونوا {حُنَفَآءَ للَّهِ} مخلصين له غير مائلين عن دينه {غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ} شيئاً من مظاهره ومصنوعاته {وَ} اعلموا أيها العقلاء الموحدون أن {مَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ} الواحد الأحد المنزه عن الشريك مطلقاً سواء كان شركه خفياً أو جلياً {فَكَأَنَّمَا خَرَّ} وسقط {مِنَ ٱلسَّمَآءِ} أي: أوج الإيمان وأعلى درجة التوحيد والعرفان {فَتَخْطَفُهُ} أي: إذا سقط أخذه {ٱلطَّيْرُ} فجأة في الهواء، فيرميه في حضيض غائر بعيد عن العمران {أَوْ تَهْوِي بِهِ ٱلرِّيحُ} حين سقوطه منها فتطرحه {فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} [الحج: 31] بعيد، ووادٍ عميق.
وبالجملة من يشرك بالله - والعاي به منه - فقد وقع في هاوية الضلال بحيث لا يرجى نجاته منها أصلاً، الحكم والأمر.
{ذٰلِكَ} المذكور لمن أشرك بالله، ونسي الأدب معه، ولم يعرف حق قدره {وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ} المأمورة في أداء الحج، ويوقرها حق توقيرها وتعظيمها {فَإِنَّهَا} أي: تعظيمها وتحسينها ناشئة {مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ} [الحج: 32] الناظرة إلى الله بنور الحق في جميع حالاتها.
{لَكُمْ} أيها المؤمنون الناسكون بمناسك الحج {فِيهَا} أي: في الهدايا والضحايا {مَنَافِعُ} درها وصوفها وشعرها وظهرها ونسلها {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} أي: إلى حلول وقتٍ عيّنه سبحانه لذبحها {ثُمَّ} بعدما قرب وقتها، وحان حينها {مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ} [الحج: 33] أي: محل ذبحها عند البيت العتيق؛ أي: جميع الحرم حواليه.
{وَلِكُلِّ أُمَّةٍ} من الأمم الماضية {جَعَلْنَا مَنسَكاً} أي: مذبحاً معيناً يتقربون فيه إلينا، ويهدون نحونا بهدايا وقرابين وإنما أعطيناهم ذلك {لِّيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ} عند التذكية والذبح {عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ} مما ملكت أيمانهم {مِّن بَهِيمَةِ ٱلأَنْعَامِ} قيدنا لهم؛ لأن الخيل والحمير لا يليق بالقربان والهدي، وبعدما علمتم أن لكل أمة مذبحاً معيناً ومنسكاً مخصوصاً يتقربون فيها إلينا {فَإِلَـٰهُكُمْ} أي: فاعلموا أن إلهكم {إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} أحد صمد فردٌ وترٌ لا تعدد فيه ولاشركة {فَلَهُ أَسْلِمُواْ} وتوجهوا إن كنتم مسلِّمين أموركم إليه {وَبَشِّرِ} يا أكمل الرسل من بين المؤمنين المسلمين بالمثوبة العظمى، والدرجة العليا، والفوز بشرف اللقيا {ٱلْمُخْبِتِينَ} [الحج: 34] المطيعين الخاضعين المتواضعين الذين خَبَت، وخمدت نار شهواتهم من بأس الله وخشيته.
وهم {ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ} القادر المقتدر بالإنعام والانتقام {وَجِلَتْ} وخشيت {قُلُوبُهُمْ} خوفاً من قهره وغضبه، وصولة صفات جلاله وسطوة سلطنته وكبريائه {وَ} أيضاً {ٱلصَّابِرِينَ عَلَىٰ مَآ أَصَابَهُمْ} من المصيبات والبليات التي جرى حكم الله عليه في سابق قضائه {وَٱلْمُقِيمِي ٱلصَّلاَةِ} المفروضة بأوقاتها مع شرائطها، وأركانها، وآدابها تقرباً إليه، وتوجهاً نحوه بكمال الخضوع، والخشوع، والتذلل، والانكسار {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ} و استخلفناهم عليه، ونسبناه إليهم {يُنفِقُونَ} [الحج: 35] على الوجه الذي أمرناهم به، أي: على المصارف المذكورة في قوله سبحانه:
{ إِنَّمَا ٱلصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ } [التوبة: 60]. متقربين بها إلى الله.
{وَ} جعلنا خير الهدايا والضحايا {ٱلْبُدْنَ} جمع: بادن كبذل جميع باذل، وهي: الإبل خاصةً سميت بها؛ لعظم بدنها وجسامتها، وغلاء ثمنها، وعظم وقعها في نفوس الناس لذلك {جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِّن شَعَائِرِ ٱللَّهِ} وأعلام دينه ومعالم بيته {لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ} كثير، وأجر جزيل، وثواب عظيم عند الله إن ذبحتموها، وإذا أردتم ذبحها {فَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا} عند تذكيتها قائلين: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، اللهم منك، وما لنا إلا امتثال ما أمرتنا به، والسرّ عندك ولديك، والحكمة دونك، واذبحوها {صَوَآفَّ} أي: صافة قوائمها مشدودة محكمة، ثم تطعنون في لباتها {فَإِذَا وَجَبَتْ} وسقطت {جُنُوبُهَا} على الأرض وخرجت روحها من الجسد {فَكُلُواْ مِنْهَا} إن شئتم {وَأَطْعِمُواْ} أيضاً {ٱلْقَانِعَ} وهو الفقير يقنع بما يُعطى، ولا يبادر إلى السؤال والإلحاح {وَ} أطعموا أيضاً {ٱلْمُعْتَرَّ} وهو الذي يبادر إلى السؤال قبل الإعطاء، ويبالغ فيه {كَذٰلِكَ} أي: على الوجه المذكور {سَخَّرْنَاهَا} وذللناها؛ أي: البُدن {لَكُمْ} مع أنها في كمال القوة والجسامة، وأنتم في غاية الضعف، كي تتفطنوا من تسخيرها وتذليلها عليكم إلى تذليل أمّارتكم المسلطة عليكم، فذبحتموها في طريق الحق مشدودة قوائم قواها عن مقتضاها {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [الحج: 36] نعمة الإقدار والتوفيق عليها، وتعطون بدلها من لدنه سبحانه: ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
واعلموا أيها المتقربون إلى الله بالهدايا والضحايا: {لَن يَنَالَ ٱللَّهَ} أي: لن يصيب ويصل إليه سبحانه {لُحُومُهَا} المتصدق بها، إذ هو منزه عنها وعن الانتفاع بها {وَ} أيضاً {لاَ} يصل إليه سبحانه {دِمَآؤُهَا} المهراقة {وَلَـٰكِن يَنَالُهُ} ويصل منها إليه سبحانه {ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْ} أي: التحرز والاجتناب عن محارمه ومنهياته والامتثال بأوامره والإتيان بمأموراته، وبالجملة بقربكم إليه سبحاه امتثال الأوامر واجتناب النواهي، لا اللحوم والدماء.
ثم كرره سبحانه تأكيداً أو مبالغة بقوله: {كَذٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ} أي: الهدايا والضحايا {لِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ} المتعزز بالعظمة والكبرياء، المستقل بالمجد والبهاء حق تكبيره، وتعظموه حق تعظيمه وتوقيره {عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ} وأرشدكم إلى الإيمان والتوحيد {وَبَشِّرِ} يا أكمل الرسل {ٱلْمُحْسِنِينَ} [الحج: 37] منهم، وهم الذين يعبدون الله كأنهم يرونه، ويحسنون الأدب معه، كأنهم ينظرون إليه سبحانه.