خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ
٩١
عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ فَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ
٩٢
قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ
٩٣
رَبِّ فَلاَ تَجْعَلْنِي فِي ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ
٩٤
وَإِنَّا عَلَىٰ أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ
٩٥
ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ٱلسَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ
٩٦
وَقُلْ رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ ٱلشَّياطِينِ
٩٧
وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ
٩٨
حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ
٩٩
لَعَلِّيۤ أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ
١٠٠
فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ
١٠١
فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ
١٠٢
وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فأُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ
١٠٣
تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ
١٠٤
أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ
١٠٥
قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ
١٠٦
رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ
١٠٧
قَالَ ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ
١٠٨
-المؤمنون

تفسير الجيلاني

ومن جملة ما تنسبون إلى الله سبحانه افتراءً ومراءً: إثبات الولد له سبحانه مع أنه {مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ} الواحد الأحد الذي شأ،ه ووصفُه أنه: { لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ } [الإخلاص: 3-4] {مِن وَلَدٍ} إذ هو من خواص الأجسام ولوازم الإمكان، وهو سبحانه منزهُ عنهما.
{وَ} من جملة أكاذيبهم البالطة أيضاً: إثبات الشريك له سبحانه مع أنه {مَا كَانَ} أي: ما صحَّ وجاز أن يكون {مَعَهُ مِنْ إِلَـهٍ} شريكاً يُعبد بالحق مثله، ويستحق بالعبادة اسحتقاقاً ذاتياً ووضعياً كما هو شأنه سبحانه {إِذاً} أي: حين كان الإله الواجب الوجود المستحق للعبادة متعدداً كما زعم أولئك المبطلون {لَّذَهَبَ} وتميز {كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ} أوجد وأظهر، فيكون مَلْك كلٍ منهما ممتازاً عن الآخر، وإذا كان الإله متعدداً أو المملكة ممتازةُ، لأمكن التغالب والتحارب ألبتة {وَلَعَلاَ} أي: غلب وارتفع {بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} هم بالقدرة والاستيلاء، فاحتل النظام المشاهد المحسوس، ولم يبقَ له انتظامُ وقيامُ {سُبْحَانَ ٱللَّهِ} وتعالى ذاته {عَمَّا يَصِفُونَ} [المؤمنون: 91] به أولئك الجاهلون الغافلون عن علوِّ شأ،ه من إثبات الولد له والشريك مع تعاليه، وتنزهه في ذاته عنهما وعن أمثالهما.
وكيف يكون له ولد ومعه شريك، وهو بذاته {عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ} لا يعزب عن حيطة علمه شيء {فَتَعَالَىٰ} سبحانه {عَمَّا يُشْرِكُونَ} [المؤمنون: 92] أولئك المعاندون من أن يكون له ولدُ يشبهه أو شريكُ يماثله مع أخص أوصافه التي هي وجوب الوجود والعلم بالغيب والشهادة حضوراً.
{قُل} يا أكمل الرسل مستعيذاً بالله من شر ما سيلحق لأولئك المعاندين المبطلين: {رَّبِّ} يا من رباني بمزيد اللطف والإحسان {إِمَّا تُرِيَنِّي} أي: أن تحققَ وتقررَ عنك يا مولاي إراءتك إياي {مَا يُوعَدُونَ} [المؤمنون: 93] أولئك المسرفون المشركون من أشد العذاب والنكال في العاجل والآجل؛ ليكون بسبب عبرتي وتذكيري من أحوالهم.
{رَبِّ فَلاَ تَجْعَلْنِي فِي ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} [المؤمنون: 94] مقارناً لهم معدوداً من عدادهم ملحقاً بي ما سيلحقهم من أنواع العذاب الصوري والمعنوي، الدنيوي والأخروي.
{وَ} قال سبحانه: {إِنَّا عَلَىٰ أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ} من العذاب {لَقَادِرُونَ} [المؤمنون: 95] يعني: إنا قادرون على أن نريك العذاب الموعود إياهم في هذه النشأة، لكنا نؤخرهم ونمهلهم رجاءَ أن يؤمن بعضهم، أو يحصل منهم المؤمنون من نسلهم وذرياتهم.
وإذا كنا نمهلهم ونؤخر عذابهم لحكم ومصالحَ {ٱدْفَعْ} أنت أيضاً يا أكمل الرسل {بِٱلَّتِي} أي: بالدلائل والشواهد التي {هِيَ أَحْسَنُ} من المقاتلة والمشاجرة {ٱلسَّيِّئَةَ} التي هي ما هم عليها من الكفر والشرك، لعل دلائلك تلين قلوبهم وتصفيهم من المكابرة والعناد معك؛ إذ {نَحْنُ أَعْلَمُ} منك {بِمَا يَصِفُونَ} [المؤمنون: 96] أي: يصفونك به، وينسبون إليك ما لا يليق بجانبك، وثق بنا وتوكل في جميع حالاتك علينا، واتخذنا وكيلاً، وفوِّض أمر انتقامهم إلينا، فإنا نكفي عنك مؤنة شرورهم.
{وَقُلْ رَّبِّ} يا من رباني بكنفك وجوارك {أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ ٱلشَّياطِينِ} [المؤمنون: 97] ووساوسه وأنواع تسويلاته وتلبيساته {وَ} لا سيما {أَعُوذُ} وألوذ {بِكَ} يا {رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ} [المؤمنون: 98] عند توجهي نحوك،وتحنني إليك ومناجاتي معك، سيما في خلال صلاتي وعند تلاوتي وعرض حاجاتي.
والكافرون من غياة انهماكهم في الغفلة، ومصرون على ما هم عليه من الشرك والكفر {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ} وعاين من أمارات النشأة الأخرى، تنبيه حينئذٍ يقبح صنائعه التي أتى بها في النشأة الأولى {قَالَ} حينئذٍ متضرعاً إلى الله نادماً متمنياً متحسراً: {رَبِّ ٱرْجِعُونِ} [المؤمنون: 99] بفضلك وجودك إلى النشأة الأولى.
{لَعَلِّيۤ} بعد رجوعي عملاً {أَعْمَلُ صَالِحاً} مصلحاً {فِيمَا تَرَكْتُ} وأفسدتُ من أمور الإيمان والإطاعة والانقياد {كَلاَّ} ردعُ له عن هذا السؤال والدعاء، ومنعُ له عن أنجاح سؤله {إِنَّهَا} أي: طلب المراجعة {كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا} من غاية الحسرة والندامة على ما فات عنه في الابتلاء {وَ} كيف يرجع إليها؛ إذ {مِن وَرَآئِهِمْ} أي: أمامهم وقدامهم {بَرْزَخٌ} أي: حجابُ مانعُ يمنعهم عن الرجوع {إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [المؤمنون: 100] يعني: لا يمكنهم الرجوع إلى دار الدنيا والحياة يها إلا الحياة في يوم البعث والجزاء.
{فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ} لحشر الأموات ونشرها من قبورهم، فيخرجون منها حيارى سكارى تائهين هائمين {فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ} بل يفرُّ كل أمرئٍ من أخيه وصاحبته وبنيه؛ إذ لكلٍ منهم شأن يغنيه {وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ} [المؤمنون: 101] أي: لا يسأل بعضُهم أحوالَ بعضٍ، بل كل نفسٍ منهم رهينةُ ما كسبت بلا التفاتٍ منه إلى غيره.
{فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ} ورُجِّحت خيراته على شروره ومعاصيه {فَأُوْلَـٰئِكَ} السعداء المقبولون {هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} [المؤمنون: 102] الفائزوون المصورون على الفوز والفلاح
{ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } [البقرة: 38].
{وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ} ورجحت سيئاته على حسناته {فأُوْلَـٰئِكَ} الأشقياء المردودون هم {ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ} خسراناً مبيناً إلى حيث هم؛ لانهماكهم في الشرور والسيئات {فِي جَهَنَّمَ} البعد والخذلان {خَالِدُونَ} [المؤمنون: 103] مخلدون دائمون لا نجاة لهم منها أصلاً من شدة اشتعال النار وتلهبها.
{تَلْفَحُ} وتحرق {وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ وَهُمْ فِيهَا} أي: في النار {كَالِحُونَ} [المؤمنون: 104] عابسون حيث تقلص شفاههم عن أسنانهم؛ بحث تصل شفتهم العليا إلى وسط رأسهم والسفلى إلى سرتهم.
ومتى تضرعوا وتفزعوا، وبثُّوا الشكوى إلى الله قيل لهم من قِبل الحق: {أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي} الدالةُ على عظة ذاتي، وكمال قدرتي على الأنعام والانتقام {تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} حين ابتليناكم في النشأة الأولى {فَكُنْتُمْ} من غاية غفلتكم وضلالكم {بِهَا تُكَذِّبُونَ} [المؤمنون: 105] وتنكرون عناداً واستكباراً، فالآن لحقكم وعرض عليكم ما أنكرتم له وأعرضتم عنه.
وبعدما سمعوا من التوبيخ والتقريع ما سمعوا، {قَالُواْ} متضرعين معترفين بما صدر عنهم من البغي والعناد: {رَبَّنَا} يا من ربَّانا على فطرة السعادة والهداية {غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا} واستولت أمّارتنا، وصالت علينا أمانينا وأهويتنا {وَكُنَّا} بمتابعة تلك البغاة الغواة الضُّلاَّل {قَوْماً ضَآلِّينَ} [المؤمنون: 106] منحرفين عن طريق الحق، ناكبين عن صراطٍ مستقيم.
{رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا} بفضلك وجودك {مِنْهَا} أي: من النار {فَإِنْ عُدْنَا} بعدما خرجنا منها إلى ما كنا عليه قبلُ من الغفلة والغرور {فَإِنَّا} حينئذٍ {ظَالِمُونَ} [المؤمنون: 107] لأنفسنا بالعرض على أنواع العذاب وأشد النكال.
{قَالَ} سبحانه في جو ابهم زجراً وتبكيتاً: {ٱخْسَئُواْ} واستكوا {فِيهَا} أي: في النار مهانين صاغرين {وَلاَ تُكَلِّمُونِ} [المؤمنين: 108] معي، ولا تناجوا إليّ لدفع عذابكم وتخفيفه وإخراجكم من النار؛ إذ أنتم فيها خالدون.