خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

فَإِذَا ٱسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلْفُلْكِ فَقُلِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي نَجَّانَا مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ
٢٨
وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ
٢٩
إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ
٣٠
ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ
٣١
فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ
٣٢
وَقَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱلآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي ٱلْحَيـاةِ ٱلدُّنْيَا مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ
٣٣
وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ
٣٤
أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ
٣٥
-المؤمنون

تفسير الجيلاني

{فَإِذَا ٱسْتَوَيْتَ أَنتَ} يا نوح، وتمكنت {وَمَن مَّعَكَ} من المؤمنين {عَلَى ٱلْفُلْكِ} وصرتم متمكنين متعززين عليها {فَقُلِ} شكراً لما أنعمنا عليك من إنجاز النصرة المعهودة الموعودة وإهلاك الله وغير ذلك من النعم العظام: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي نَجَّانَا} من كمال جوده وسعة رحمته {مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} [المؤمنون: 28] الخارجين عن مقتضى العقل والشرع عتواً وعناداً.
{وَقُل} أيضاً بعدما مكنت على سفينة النجاة: {رَّبِّ أَنزِلْنِي} بفضلظ ولطفك {مُنزَلاً مُّبَارَكاً} كثيرَ الخير والبركة {وَأَنتَ} من كمال جودك {خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ} [المؤمنون: 29] لو فرض مُنزِل غيرك مع أنه لا مُنزِلَ سواك، ولا وجود لغيرك؛ إذ لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
{إِنَّ فِي ذٰلِكَ} المذكور من قصة نوحٍ مع قومه ونجاته وإهلاكهم، و تعليم صنع السفينة عليه، وإخراج الماء من التنور المعهود، وإحاطته على وجه الأرض كلها، ونجاة من كان في سفينته وغير ذلك من الأمور البديعة {لآيَاتٍ} دلائلَ واضحات على كمال قدرتنا وإرادتنا واختبارنا في عموم أفعالنا على المعتبرين المتأملين في بدائع الأمور وغرائبه، الناظرين بعيون العبرة والاستبصار في حدوث هذه الوقائع الهائلة {وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ} [المؤمنون: 30] أي: أن الشأن والأمر أنَّا بإحداث هذه الحوادث مع قوم نوح لمختبرون مجرَّبون عموم عبادنا؛ لننظر من يعتبر ويتعظ بها منهم، وما هي إلا تذكرة وتذكير منا إياهم.
{ثُمَّ} بعد إهلاك قوم نوح وإغراقهم {أَنشَأْنَا} وأظهرنا من ذرية من في سفينة نوح عليه السلام {مِن بَعْدِهِمْ} من بعد نوحٍ، ومَن معه في السفينة {قَرْناً آخَرِينَ} [المؤمنون: 31] هم عادُ وثمودَ فانحرفوا أيضاً عن جادة التوحيد.
{فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولاً} ناشئاً {مِّنْهُمْ} ابتلاءً لهم واختباراً لمن اعتبر منهم، فقال على مقتضى وحينا وإلهامنا إياه: {أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ} الواحد الأحد، المستقل بالألوهية والوجود، واعلموا أنه {مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ} يُعبد له ويُرجع إليه {غَيْرُهُ أَ} تتخذون إلهاً غيره وتعبدون له ظلماً وزوراً، وتتضرعون نحوه في الوقائع والخطوب {فَلاَ تَتَّقُونَ} [المؤمنون: 32] عن غضبه، ولا تخافون عن قهره وانتقامه.
{وَ} بعدما بلّغهم الرسول الموحي به {قَالَ ٱلْمَلأُ} أي: الأشراف {مِن} قومه عتواً واستكباراً لضعفاء العوام، وهم {قَوْمِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بالله باتخاذ الأصنام آلهةً وأنكروا وحدة الإله {وَكَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱلآخِرَةِ} ويوم الجزاء وجميع المواعيد الموعودة فيها {وَ} مع كفرهم وشركهم، وإنكارهم بالنشأة الأخرى {أَتْرَفْنَاهُمْ} بوفور نعمنا إياهم {فِي ٱلْحَيـاةِ ٱلدُّنْيَا} إمهالاً لهم: {مَا هَـٰذَا} المدَّعي الكاذب {إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} لا مزيةَ له عليكم {يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ} [المؤمنون: 33].
{وَ} الله {لَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً} فيما يأمركم من تلبيساته وتغريراته مع أنه {مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ} في إطاعتكم وانقيادكم لبني نوعكم {إِذاً لَّخَاسِرُونَ} [المؤمنون: 34] خسراناً غظيماً لا خسرانَ أعظم منه؛ إذ هو خسرانُ العقل والإدراك، وتذليلُ النفس العزيزة بمثله تغريراً. {أَ} تسمعونه وتقَبلون منه إيها المجبولون على الدربة والدارية ما {يَعِدُكُمْ} من الخرافات المستبعدة عن الإدراكات، وذلك {أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً وَعِظاماً} رفاتاً بحيث تفرقت أجزاؤكم إلى أن صارت هباءً وعدماً صرفاً {أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ} [المؤمنون: 35] بعد هذا من التراب، معادون إلى ما كنتم عليه؟!.