خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ
٣٦
إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ
٣٧
إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ ٱفتَرَىٰ عَلَىٰ ٱللَّهِ كَذِباً وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ
٣٨
قَالَ رَبِّ ٱنْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ
٣٩
قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ
٤٠
فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ بِٱلْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَآءً فَبُعْداً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ
٤١
ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ
٤٢
مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ
٤٣
ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْداً لِّقَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ
٤٤
-المؤمنون

تفسير الجيلاني

{هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ} أي: بَعُد بعداً تاماً، واستحال استحالةً شديدةً {لِمَا تُوعَدُونَ} [المؤمنون: 36] من البعث بعد الموت والوجود بعد العدم والإعادة بعد الإماتة.
{إِنْ هِيَ} أي: ما الحياة لنا أيها العقلاء {إِلاَّ حَيَاتُنَا} الت يهي {ٱلدُّنْيَا} إذ وجودنا وعدمنا مقصورُ على ما هو فيها {نَمُوتُ} ونعدم بعد الوجود فيها {وَنَحْيَا} ونوجد بعد العدم أيضاً فيها {وَ} بالجملة: {مَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} [المؤمنون: 37] منشَرين أحياءً بعدما متنا فيها، كما نشاهد من سائر الأشياء؛ يعني: لا منزل لنا سوى الدنيا حياتنا فيها وموتنا فيها لا دارَ لنا غيرها.
{إِنْ هُوَ} أي: ما هو المدعى الكاذب {إِلاَّ رَجُلٌ ٱفتَرَىٰ} ونسب {عَلَىٰ ٱللَّهِ كَذِباً} ومراءً عنه أنه أرسلني الله وأوصاني بكذا وكذا، وما هي إلا مختراعاتُ اخترعها ن تلقاء نفسه {وَ} بالجملة: {مَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ} [المؤمنون: 38] بمجرد هذه الدعوى، وإن أثبتها أيضاً؛ إذ هو بشرُ مثلنا ولا رسالةَ للبشر من الله إلى البشر.
وبعد يأسه من إيمانهم أخذ في الدعاء عليهم، مشتكياً إلى الله؛ حيث {قَالَ رَبِّ ٱنْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ} [المؤمنون: 39] أي: عذِّبهم بتكذيبهم إياي؛ إذ تكذيبي مسلتزم لتكذيبك يا ربي.
{قَالَ} سبحانه: اصبر ولا تستعجل في انتقامهم أهم {عَمَّا قَلِيلٍ} أي: عن زمانٍ قليلٍ {لَّيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ} [المؤمنون: 40] عمَّا فعلوا من التكذيب والإنكار.
{فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ} الهائلة من جانب السماء بغتةً، قيل: صاح عليهم جبريل عليه السلام صيحةً هائلة، بعدما تعلق إرادته الله بإهلاكهم ملتبساً {بِٱلْحَقِّ} أي: بالعذاب الثابت المحقق الواجب وقوعه {فَجَعَلْنَاهُمْ} وصيرنا أجسادهم {غُثَآءً} أي: كالغثاء الذي يسيل به الماء، وهو الزبد والحشائش التي يذهب بها الماء {فَبُعْداً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} [المؤمنون: 41] أي: بعدما صاروا كذلك، قيل في حقهم: بَعُد بعداً وطرداً للقوم اللظالمين الخارجين عن مقتضى أوامر الله ونواهيه، النازلة منه سبحانه على ألسنة أنبيائه ورسله.
{ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ} وانقراضهم {قُرُوناً آخَرِينَ} [المؤمنون: 42] يعني: قوم صالح ولوط وشعيب وغيرهم من الأمم الهالكة على الكفر والعناد بسبب تكذيب الرسل وكتبهم.
وبالجملة أهلكناهم؛ بحيث {مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا} أي: ما تستعجل وتستقدم أمةُ منهم أجلَها الذي عيَّنَّا لإهلاكها، وقدرنا هلاكهم فيه {وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ} [المؤمنون: 43] أيضاً: لا يسمع لهم الاستقدام والاستئخار في المدة المقدرة المعينة لهلاكهم.
{ثُمَّ} بعدما انقرضوا {أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا} على المنحرفين عن جادة توحيدنا، المنصرفين عن مقتضى سنتنا {تَتْرَا} متواترة متتاليةً بلا تخلل فترةٍ بينهم، فصار الأمر بينهم {كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا} لإصلاح حالهم واعتدال خلافتهم وأعمالهم {كَذَّبُوهُ} وأنكروا له وظهروا عليه بالمقاتلة والمشاجرة، فأهلكناهم واستأصلناهم بسبب تكذيبهم وإنكارهم {فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً} بالهلاك؛ أي: أهلكناهم متتابعةً بعضهم بعد بعضٍ إلى أن طهرنا الأرض عن خبثهم وفسادهم {وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ} أي: حكاياتٍ وقصصاً يُسمر بهم، ويَعتبر المتعبرون عما جرى عليهم، ويقولون في حقهم ب عدما سمعوا قصصهم معتبرين: {فَبُعْداً} أي: طرداً وحرامناً ومقتاً وخذلاناً {لِّقَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ} [المؤمنون: 44] بتوحيد الله ولا يصدقون رسله، وجميعَ ما جاءوا به من عنده سبحانه من المعتقدات المتعلقة بالنشأتين.