خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَإِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ
٥٢
فَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ
٥٣
فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّىٰ حِينٍ
٥٤
أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ
٥٥
نُسَارِعُ لَهُمْ فِي ٱلْخَيْرَاتِ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ
٥٦
إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيةِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُونَ
٥٧
وَٱلَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبَّهِمْ يُؤْمِنُونَ
٥٨
وَٱلَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ
٥٩
وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ
٦٠
أُوْلَـٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ
٦١
وَلاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِٱلْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ
٦٢
بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِّنْ هَـٰذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِّن دُونِ ذٰلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ
٦٣
-المؤمنون

تفسير الجيلاني

{وَ} إذا علمتم أن مناط أمركم في عملكم المقرِّبة إلى ربكم على وجه الإخلاص والخضوع، فعليكم بأجمعكم أن تداوموا وتلازموا عليها {إِنَّ هَـٰذِهِ} الطريقة المعهودة المذكورة لكم من ربكم {أُمَّتُكُمْ} أي: قدوتكم وقبلتكم، موصلةُ إلى توحيد ربكم لذلك صارت {أُمَّةً وَاحِدَةً} لا تعددَّ فيها ولا اختلافَ أصلاً، وإن كانت جهاتها مختلفةً متعددةً بحسب اختلاف الشرائع والأديان على مقتضى الأعصار والأزمان {وَأَنَاْ رَبُّكُمْ} الواحد الأحد الصمد الفرد الوتر، الذي لا أكون عرضةً للتعدد والكثرة أصلاً {فَٱتَّقُونِ} [المؤمنون: 52] عن أخذي وبطشي ومتقضيات جلالي وقهري؛ إذ لا ملجأ لكم غيري.
ومع ذلك {فَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ} أي: دينهم الواحد وملتهم الواحدة {زُبُراً} قِطعاً مختلفةً وأحزاباً متفاوتةً ومِلَلاً متخالفةً، يدعي كل منهم حقية دينه وملته، فصار {كُلُّ حِزْبٍ} منهم {بِمَا لَدَيْهِمْ} من الدين والملة {فَرِحُونَ} [المؤمنون: 53] مسرورون معجَبون.
{فَذَرْهُمْ} بعدما تحزبوا وانحرفوا عن التوحيد وانصرفوا عن جادته، واتركهم على حالهم يعمهون {فِي غَمْرَتِهِمْ} أي: جهلهم وغوايتهم {حَتَّىٰ حِينٍ} [المؤمنون: 54] أي: حين انكشاف الغطاء عن بصائرهم والعماءِ عن أبصارهم فعاينوا العذاب، ولم يمكنهم ردّه والنجاة منه فيهلكوا صاغرين.
{أَيَحْسَبُونَ} ويعتقدون أولئك الضالون المنهمكون في بحر الغفلة والضلال {أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ} ونعطيهم إمداداً لهم وإعانةً عليهم {مِن مَّالٍ} ملهٍ لنفوسهم ومشغلٍ لقلوبهم {وَبَنِينَ} [المؤمنون: 55] يستعبدون نفوسهم ويسترقون أعناقهم.
{نُسَارِعُ} ونبادرُ {لَهُمْ فِي} نيل {ٱلْخَيْرَاتِ} تفضلاً منا إياهم؛ لذلك يباهون ويفتخرون بها، ويتفرقون على من دونهم لأجلهما {بَل} هو استدراجُ منا إياهم، وإمهالُ لهم كي يحصّلوا أسباب أشد العذاب وأسوأ العقوبات، ويستحقوا بواسطتها أسفل دركات النيران {لاَّ يَشْعُرُونَ} [المؤمنون: 56] الاستدراج من الكرامة، فحلموا عليها وبأهوائها، فيسعلمون مصيرهم ومنقلبهم إلى أين.
ثم قال سبحانه: {إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيةِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُونَ} [المؤمنون: 57] خائفون حذرون متحرزون.
{وَٱلَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبَّهِمْ} النازلةِ على رسله {يُؤْمِنُونَ} [المؤمنون: 58] يصدقون ويذعنون.
{وَٱلَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ} [المؤمنون: 59] بل يستقلونه بالوجود ولا يثبتون لغيره وجوداً، ولا يسندون الحوادث إلى الأسباب العادية بل يسندون كلها إليه أولاً، وبالذات.
{وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ} من الأعمال والصدقات ومطلق الحسنات {وَّقُلُوبُهُمْ} في حال إتيانها {وَجِلَةٌ} خائفةُ مستوحشةُ بسبب {أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} [المؤمنون: 60] بهذه الأعمال والحسنات، هل يقبل منهم أو يرد عليهم، وهم دائاً بين الخوف والرجاء خائفون عن قهره، راجون من لطفه.
{أُوْلَـٰئِكَ} السعداء المحسنون الأدب مع الله، المخلصون في أعمالهم {يُسَارِعُونَ} أي: يرغبون ويبادرون {فِي ٱلْخَيْرَاتِ} وأنواع الطاعات والعبادات والحسنات، راجين أنواع الكرامات والمثوبات من الله {وَهُمْ لَهَا} أي: للحسنات وأنواع الخيرات والمبرَّات دائماً {سَابِقُونَ} [المؤمنون: 61] سارعون ساعون مبادرون.
{وَ} اعلموا أيها المكلفون بأنواع التكاليف المصفية لظواهركم وبواطنكم {لاَ نُكَلِّفُ} ولا نحتمِّل {نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} أي: مقدار وسعِها وطاقتِها على ما هو مقتضى استعداداتهم وقابليتهم، وكيف نكلفهم بما لا طاقة لهم {وَلَدَيْنَا كِتَابٌ} جامعُ لجميع أحوال ما حدث وكان، ويحدث ويكون، وهو لوحُ قضائنا وحضرةُ علمنا مع أنه {يَنطِقُ بِٱلْحَقِّ} السويّّ الثابت المطابق للواقع بلا إفراط وتفريط {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} [المؤمنون: 62] بزيادة العذاب ونقصان الثواب، بل كل منهم مجزيُ بمقتضى ما ثبت فيه.
والكفار من غاية انهماكهم في الغفلة والضلال ينكرون لكتابنا الجامع لجميع الكوائن والفواسد الناطق بالحق المطابق للواقع {بَلْ قُلُوبُهُمْ} التي جبلت وعاءً للإيمان والتصديق {فِي غَمْرَةٍ} أي: غطاءٍ وغشاوةٍ {مِّنْ هَـٰذَا} الطريق الذي يترتب عليه الفلاح والفوز بالنجاح، وهو طريق التوحيد والتصديق {وَلَهُمْ أَعْمَالٌ} طالحةُ على مقتضى أهويتهم الفاسدة وآرائهم الباطلة {مِّن دُونِ ذٰلِكَ} الأمر الذي تعبدنا بها عبادنا على ألسنة رسلنا {هُمْ لَهَا عَامِلُونَ} [المؤمنون: 63] وإليها متوجهون دائماً، وعن طريق الحق وسبيل التوحيد ناكبون منصرفون.