خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

لَّقَدْ أَنزَلْنَآ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ وَٱللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ
٤٦
وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ وَمَآ أُوْلَـٰئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ
٤٧
وَإِذَا دُعُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ مُّعْرِضُونَ
٤٨
وَإِن يَكُنْ لَّهُمُ ٱلْحَقُّ يَأْتُوۤاْ إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ
٤٩
أَفِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَمِ ٱرْتَابُوۤاْ أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ
٥٠
إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ
٥١
وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ ٱللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَآئِزُون
٥٢
-النور

تفسير الجيلاني

ثم قال سحبانه تحريكاً لحمية عباده، وتشديداً لبنيان اعتقاداتهم بالله وتوحيده وأسمائه وصفاته: {لَّقَدْ أَنزَلْنَآ} من مقام جودنا، ولطفنا إليكم إيها المحبوسون في مضيق الإمكان، المقيدون بسلاسل الكفران والعصيان {آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ} موضحاتٍ مفصلاتٍ لتوحيدنا وصفاتنا وقدرتنا على الإنعام والانتقام، لعلكم تتفطنون منها إلى علو شأننا وكمال سطوتنا وسلطاننا، مع أن أكثركم لا تتفطنون ولا تتنبهون؛ لانهماككم في بحر الغفلة والضلالة، {وَٱللَّهُ} الهادي لعباده {يَهْدِي} بفضله {مَن يَشَآءُ} هدايته منهم {إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [النور: 46] موصلٍ إلى كعبة توحيده بلا عوج وانحراف.
{وَ} من انحراف المنافقين، وانصرافهم عن طريق الحق، وميلهم إلى الباطل {يَِقُولُونَ} بأفواههم خوفاً من حقن دمائهم وأموالهم: {آمَنَّا بِٱللَّهِ} المتوحّد في ذاته {وَبِٱلرَّسُولِ} المرسل من عنده لتبليغ دينه وآياته، {وَأَطَعْنَا} لحكم الله ورسوله سمعاً وطاعة {ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ} أي: يعرض وينصرف {فَرِيقٌ مِّنْهُمْ} أي: من المنافقين {مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ} الإقرار عن حكم الله ورسوله تكذيباً لنفسه، وإظهاراً لما في قلبه من الكفر والنفاق {وَ} لذلك {مَآ أُوْلَـٰئِكَ} الأشقياء المردودون {بِٱلْمُؤْمِنِينَ} [النور: 47] المتصفين بالإيمان والإذعان حقيقةً، وإن أقروا واعترفوا على طرف اللسان؛ لأن الإيمان من صفات القلب واللسانُ مترجمُ له.
{وَ} كيف كانوا مؤمنين أولئك المنافقون مع أنهمن {إِذَا دُعُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ} المصلح لأحوال عباده {وَرَسُولِهِ} المستخلفِ منه سبحانه النائبِ عنه بإذنه {لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ} ويقطع نزاعهم {إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ مُّعْرِضُونَ} [النور: 48] أي: فأجاءوا إلى الانصراف عن حكم الله وحكم رسوله بعدما دُعوا إلى رسوله إن كان الحكم عليهم.
{وَإِن يَكُنْ لَّهُمُ ٱلْحَقُّ} والحكم {يَأْتُوۤاْ إِلَيْهِ} أي: إلى الرسول {مُذْعِنِينَ} [النور: 49] منقادين طائعين، وبالجملة: هم تابعون لمطلوبهم، وما هو مقصودهم، طالبون أن يصلوا إلى ما أَمِلوا في نفوسهم، بلا ميلٍ منهم إلى الحق وصراطه المستقيم وميزانه العدل القويم.
وما سبب ميلهم وإعراضهم؟! {أَفِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ} يعرضهم عن قبول الإيمان، والميل إلى اليقين والعرفان {أَمِ ٱرْتَابُوۤاْ} وترددوا في عدالة الله ورسوله {أَمْ يَخَافُونَ} من سوء ظنونهم {أَن يَحِيفَ} ويميل {ٱللَّهُ} المستوي على القسط والعدل {عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ} المتخلقُ بأخلاقه ظلماً، بأن أجازوا الظلم على الله ورسوله {بَلْ} الحق أنه لا شكل في عدالة الله ورسله، ولا يُنسب الحيف والميل إليهما أصلاً، فتعين أنه {أُوْلَـٰئِكَ} البعداء عن ساحة القبول {هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} [النور: 50] المقصورون على الخروج عن حد الاعتدال، المائلون عن الصراط المستقيم لمرض قلوبهم وخبثِ طينتهم.
ثم قال سبحانه على مقتضى سنته المستمرة: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} المخلصين على عكس المنافقين والمترددين {إِذَا دُعُوۤاْ} عند النزاع والمخاصمة {إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ} ويزيل شبههم {أَن يَقُولُواْ} طائعين راغبين: {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} بلا مطلٍ وتسويفٍ، رضينا بما حكمنا الله ورسوله {وَأُوْلَـٰئِكَ} السعداء المقبولون عند الله ورسوله {هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} [النور: 51] الفائزون بالفلاح، المقصورون على الصلاح والنجاح، ولا يتحولون عنه بل يزادون عليه تفضلاً وامتناناً.
{وَ} كيف لا يزادون؛ إذ {مَن يُطِعِ ٱللَّهَ} حق إطاعته وينقاد {وَرَسُولَهُ} حق الانقياد والاتِّباع {وَيَخْشَ ٱللَّهَ} المنتقمَ فيما صدر عنه، ومضى عليه من الذنوب بعدما تاب وندم {وَيَتَّقْهِ} عنه سبحانه فيما بقي من عمره {فَأُوْلَـٰئِكَ} المطيعون المنقادون بالله ورسوله، الخاشعون المخبتون المتقون {هُمُ} المتقون {ٱلْفَآئِزُون} [النور: 52] بالمثوبة العظمى والدرجة العليا عند الله
{ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } [يونس: 62].