خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ وَمَأْوَٰهُمُ ٱلنَّارُ وَلَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ
٥٧
يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ وَٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ ٱلْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ مِّن قَبْلِ صَـلَٰوةِ ٱلْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَـٰبَكُمْ مِّنَ ٱلظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَٰوةِ ٱلْعِشَآءِ ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَٰفُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلأَيَـٰتِ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
٥٨
وَإِذَا بَلَغَ ٱلأَطْفَالُ مِنكُمُ ٱلْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُواْ كَمَا ٱسْتَأْذَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
٥٩
وَٱلْقَوَاعِدُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ ٱلَّلاَتِي لاَ يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عِلِيمٌ
٦٠
-النور

تفسير الجيلاني

ثم قال سبحانه تأييداً لنبيه صلى الله عليه وسلم: {لاَ تَحْسَبَنَّ} و لاتظنن يا أكمل الرسل {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بالله، وأعرضوا عن توحيده هم صاروا بكفرهم وعنادهم {مُعْجِزِينَ} اللهَ القادرَ المقتدرَ عن أخذهم وإهلاكهم {فِي ٱلأَرْضِ} التي هي مملكة الحق ومحل تصرفاته سبحانه، بل يأخذهم الله الرقيبُ عليهم بظلمهم وبغيهم، ويستأصلهم عن وجه الأرض في النشأة الأولى {وَمَأْوَٰهُمُ ٱلنَّارُ} في النشأة الأخرى {وَ} اللهِ {لَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} [النور: 57] مصيرهم ومرجعهم.
ثم أشار سبحانه إلى تتميم ما مضى من آداب الخلطة والمؤانسة بين المؤمنين، فقال منادياً لهم على وجه العموم؛ ليقبلوا إلى امتثال ما نودوا فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} من آداب المصاحبة والإخاء هذا {لِيَسْتَأْذِنكُمُ} بالدخول على بيوتكم، ويسترخص منكم أيها المؤمنون خدمتكم {ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ} سواءً كانوا عبيداً أو إماءً، وأنتم رجالُ أو نساءُ، ذكرَ الضمير على سبيل التغليب {وَ} كذا الصبيان {ٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ ٱلْحُلُمَ مِنكُمْ} أي: لم يبلغوا وقت الحلم، خُصَّ بالذكر؛ لكونه أقوى أسباب البلوغ إلى وقت التكليف {ثَلاَثَ مَرَّاتٍ} يعني: ليستأذنكم الخَدَمةُ والصبيانُ في ثلاثة أوقات دخولهم:
أحدها: {مِّن قَبْلِ صَـلَٰوةِ ٱلْفَجْرِ} إذ هو وقت الانخلاع، والتجرد عن ثياب النوم، والدخول فيه منهي.
{وَ} ثانيها: {حِينَ تَضَعُونَ ثِيَـٰبَكُمْ مِّنَ ٱلظَّهِيرَةِ} للاستراحة والقيلولة.
{وَ} ثالثها: {مِن بَعْدِ صَلَٰوةِ ٱلْعِشَآءِ} وقت التجرد عن الثياب للنوم، والأوقاتُ المذكورةُ {ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ} لا بدَّ من تحفظكم فيها عما يشوشكم، ويطلع على سركم {لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ} ضيقُ ومنعُ {بَعْدَهُنَّ} أي: بعد الأوقات الثلاث لو دخلوا عليكم بلا إذن منكم؛ إذ هم خَدَمةُ {طَوَٰفُونَ عَلَيْكُمْ} ليخدموكم؛ إذ جُبلتم على أن يظاهر {بَعْضُكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ كَذَلِكَ} أي: مثل ما ذكر {يُبَيِّنُ ٱللَّهُ} المدبرُ لمصالحكم {لَكُمُ ٱلأَيَـٰتِ} الدالةَ على آداب المصاحبة والمؤانسة، {وَٱللَّهُ} المطلعُ لأحوال عباده {عَلِيمٌ} بمصالحهم ومفاسدهم {حَكِيمٌ} [النور: 58] في ضبطها وحفظها؛ بحيث لا يختل أمر النظام المتعارف.
{وَ} كذا {إِذَا بَلَغَ ٱلأَطْفَالُ مِنكُمُ ٱلْحُلُمَ} وظهر منهم أمارات الميل والشهوة سواء كانوا ذكوراً أم إناث {فَلْيَسْتَأْذِنُواْ كَمَا ٱسْتَأْذَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} من الأحرار البالغين؛ إذ هم حينئذ دخلوا في حكمهم بعد الحلم {كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ} الدالةَ على آداب خلطتكم وحسن معاشرتكم {وَٱللَّهُ} المصلحُ لأحوال عباده {عَلِيمٌ} بما في ضمائرهم من المنكرات {حَكِيمٌ} [النور: 59] في دفعها قبل وقوعها.
{وَٱلْقَوَاعِدُ مِنَ} عجائز {ٱلنِّسَآءِ ٱلَّلاَتِي} قعدن عن الحيض والحبل وشهوة الوقاع مطلقاً إلى حيث {لاَ يَرْجُونَ نِكَاحاً} وزواجاً؛ لكبرهن وكهولتهن {فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ} أي: ذنبُ وكراهةُ {أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ} أي: الثياب الظاهرة التي يلبسنها فوق الأستار كالجلباب حال كونهن {غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ} أي: مظهراتٍ {بِزِينَةٍ} مشهيةٍ للرجال، مثيرة لشهواتهم؛ أي: الزينة التي مُنعن من إبدائها في كريمة:
{ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ... } [النور: 31] {وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ} عن الوضع {خَيْرٌ لَّهُنَّ} سواء كن عجائز أم شواب؛ لأن العفة أبعد من التهمة في كل الأحوال {وَٱللَّهُ} المطلع لسرائرهن {سَمِيعٌ} لمقالتهن مع الرجال {عِلِيمٌ} [النور: 60] بنياتهن منها.