خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

أَمَّن يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وٱلأَرْضِ أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
٦٤
قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوٰتِ وٱلأَرْضِ ٱلْغَيْبَ إِلاَّ ٱللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ
٦٥
بَلِ ٱدَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ
٦٦
-النمل

تفسير الجيلاني

{أَمَّن يَبْدَؤُاْ} ويظهر {ٱلْخَلْقَ} أي: عموم المخلوقات والمكونات من كتم العجم بعدما لم يكن شيئاً مذكوراً برش نوره عليها، ومدّ ظله إليها بمقتضى لطفه وجماله {ثُمَّ} بعد إظهاره وإيجاده من {يُعيدُهُ} ويبعثه بعد إعدامه وإماتته بمقتضى قهره وجلاله {وَمَن يَرْزُقُكُم} ويقوم مزاجكم بأنواع الأغذية الحاصلة {مِّنَ} أسباب {ٱلسَّمَآءِ} قوابل {وٱلأَرْضِ أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ} القادر المقتدر على إنشاء البدائع، وإبداء الغرائب والعجائب المكنونة في التراب؛ ليتكون غذاء لمن عليها من الحيوانات تثبتون وتشركون أيها الحمقى المسرفون، المشركون المكابرون، فإن أصروا على شركهم وكفرهم بعدما سمعوا قوارع الدلائل القاطعة، والشواهد الساطعة {قُلْ} لهم يا أكمل الرسل إلزاماً عليهم وتبكيتاً: {هَاتُواْ} أيها الحمقى {بُرْهَانَكُمْ} على دعواكم ألوهية معبوداتكم {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [النمل: 64] في هذه الدعوى.
وبعدما تم إلزامك عليهم، وتبكيتك إياهم {قُل} يا أكمل الرسل كلاماً ناشئاً عن محض التوحيد، خالياً عن وصمة الكثرة مطلقاً: {لاَّ يَعْلَمُ مَن} ظهر {فِي ٱلسَّمَٰوٰتِ} أي: العلويات {و} من ظهر في {ٱلأَرْضِ} أي: السفليات من المظاهر المجبولة فيهما على فطرة الشعور والإدراك {ٱلْغَيْبَ} الذي غاب عن مداركهم وعقولهم وحواسهم {إِلاَّ ٱللَّهُ} المنزه عن الأماكن والأزمان، بل الكل في حيطة أسمائه وأوصافه، والمبرأ عن الاشتراك في جنس وعن الامتياز بفصل، فإنه واحد لا يشارك مع شيء عنه بشيء، بل وحدته لا كسائر الوحدات، ولا علمه كسائر العلوم، وكذا جميع صفاته وأسمائه، فإنه سبحانه يعلم بعلمه الحضوري جميع ما ظهر وبطن، وغاب وشهد بلا تفاوتٍ، بل الكل في ساحة عز حضوره على السواء بلا اختلافٍ من الخفاء والجلاء.
{وَ} إن اجتهد أولئك الصالحون من أهل السماوات والأرضين {مَا يَشْعُرُونَ} ويدركون {أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} [النمل: 65] أي: متى يبعثون، وفي أي آن يحشرون من قبور تعيناتهم، وأجداث هوياتهم؛ للوقوف بين يدي الله؛ وإن وصلوا بعدما اجتهدوا بتوفيق الله وتيسيره، إن وقوفهم بين يديه للعرض والجزاء كائن لا محالة، لكنهم ما وصلوا إلى مرتبة يسع لهم تعيين وقت الحشر والنشر؛ إذ يعبتر وقت البعث من جملة الغيوب التي استأثر الله بها، ولم يطلع أحداً من الأنبياء وأوليائه عليها.
{بَلِ ٱدَّارَكَ} أي: بلغ وتدارك، ووصل {عِلْمُهُمْ} أي: علم العلماء وأرباب الشعور والإدراك بعدما كوشفوا بإلهما الله وجذب من جانبه، و{فِي} تحقق النشأة {ٱلآخِرَةِ} وما فيها من المعتقدات المحققة من الحشر والنشر، والصراط والسؤال، والجنة والنار، والثواب والعقاب، وجميع الأمور التي نطقت بها ألسنة الكتب والرسل {بَلْ هُمْ} أي: بل أكثر الناس {فِي شَكٍّ} وتردد {مِّنْهَا} أي: من الآخرة ومن الأمور الكائنة فيها {بَلْ هُم} أي: بل أكثرهم {مِّنْهَا} ومن الأمور الموعودة فيها {عَمُونَ} [النمل: 66] غافلون منكرون، لا يعتقدون ولا يقبلون، بل ينكرونها أشد إنكار، ويكذبونها أبلغ تكذيب.