خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

ٱسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ وَٱضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ ٱلرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ
٣٢
قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ
٣٣
وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ
٣٤
قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَاناً فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَآ أَنتُمَا وَمَنِ ٱتَّبَعَكُمَا ٱلْغَالِبُونَ
٣٥
فَلَمَّا جَآءَهُم مُّوسَىٰ بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُواْ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِيۤ آبَآئِنَا ٱلأَوَّلِينَ
٣٦
وَقَالَ مُوسَىٰ رَبِّيۤ أَعْلَمُ بِمَن جَآءَ بِٱلْهُدَىٰ مِنْ عِندِهِ وَمَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ ٱلدَّارِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّالِمُونَ
٣٧
-القصص

تفسير الجيلاني

ثمَّ أمر سبحانه ثانياً؛ تأكيداً لتأنيسه إياه بقوله: {ٱسْلُكْ} وأدخل {يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ} على الفور {بَيْضَآءَ} مضيئة منيرة، محيرة للعقول والأبصار؛ من كمال إشراقها وضوئها، مع أنها {مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ} أي: مرض من برص وبهق، فأدخل وأخرج فرأى ما رأى {وَ} بعدما رأى موسى يده في غاية البياض والصفاء استوحش أيضاً منها واسترهب عن عروض المرض إليها، أمره سبحانه ثالثاً؛ إزالة لحزنه بقوله: {ٱضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ} أي: يديك، وأطوِ كشحك {مِنَ ٱلرَّهْبِ} أي: الخوف والحزن، وهذا كناية عن الطمأمنينة والوقار، وعدم إخطار الخوف في البال.
{فَذَانِكَ} أي: العصا واليد والبيضاء {بُرْهَانَانِ} أي: شاهدان على نبوتك ورسالتك، ومعجزتان باهرتان لك لمن يعارض معك وأنكر عليك رسالتك، منتشئان {مِن} أمر {رَّبِّكَ} تأييداً لك ولأمرك حين أرسلك {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ} لتدعوهم إلى توحيد الحق وصراط مستقيم، وتنذرهم عمَّا هم عليه من الإفراط والتفريط {إِنَّهُمْ} من غاية انهماكهم في الغفلة والغرور {كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ} [القصص: 32] خارجين عن مقتضى الحدود الإلهية الموضوعة في شرائع الأنبياء الماضين، والرسل المنقرضين.
ثمَّ لمَّا سمع موسى من ربه ما سمع {قَالَ} معتذاراً مستظهراً: {رَبِّ} يا من رباني بسوابق النعم {إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً} خطأ، وأنت أعلم به مني {فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ} [القصص: 33] ويبادرون إلى قتلى قبل دعوتهم إلى دينك وتوحيدك لو ذهبت إليهم وحيداً فريداً بلا ظهير ومعين.
{وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً} وأوضح بياناً، وأتم تقريراً وتبياناً {فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ} وأشركه في أمري؛ ليكون {رِدْءاً} أي: معاوناً في أمري {يُصَدِّقُنِي} لدى الحاجة {إِنِّيۤ} من كمال عداوتهم معي، وشدة شكيمتهم وغضبهم عليَّ {أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ} [القصص: 34] دفعة، ولا ينطلق لساني بمجادلتهم؛ بسبب لكنتي فأفوت بلكنتي حكمة رسالتي، وأحكام دعوتي ونبوتي.
{قَالَ} له سبحانه على وجه التأييد والتعضيد: {سَنَشُدُّ عَضُدَكَ} ونقويك {بِأَخِيكَ} مع ذلك لا تيأس من توفيقنا إياك؛ إذ بعدما أرسلناكما إلى فرعون وملئه {وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَاناً} حجة قاطعة بها تغلبان عليهم {فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا} بقهر واستيلاء {بِآيَاتِنَآ} أي: بسبب آياتنا التي معكما، ولا تخافا عن غلبتهم عليكما؛ بسبب شوكتهم وكثرة عَددهم وعُددهم، بل {أَنتُمَا وَمَنِ ٱتَّبَعَكُمَا} من المؤمنين هم {ٱلْغَالِبُونَ} [القصص: 35] المقصورون على الغلبة، لا تتعدة الغلبة عنكم، وهم المغلوبون المنحصرون على المغلوبية، لا يتجاوزون عنها أصلاً.
{فَلَمَّا جَآءَهُم مُّوسَىٰ} مؤيداً {بِآيَاتِنَا} الدالة على صدقها في دعواه، مع كونها {بَيِّنَاتٍ} ظاهرات واضحات أنها من عندنا بلا تردد وريب {قَالُواْ} من كمال قسوتهم وانهماكهم في الضلال: {مَا هَـٰذَآ} الذي أتى به على صورة المعجزة والبرهان {إِلاَّ سِحْرٌ مُّفْتَرًى} اختلقه من تلقاء نفسه، ونسبه إلى الله افتراءً وترويجاً لباطله من صورة الحق {وَ} من شدة حرصه على ترويج ما زخرفه من عند نفسه سمَّاه ديناً وهدايةً ورشداً، ونسبه إلى الوحي والإنزال من الإله الواحد الموهوم، مع أنَّا {مَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا} أي: بوحدة الإلهة المرسل للرسل، والمنزل للكتب بالوحي والإلهام، الواضع للأديان والشرائع بين الأنام كائناً ثابتاً {فِيۤ آبَآئِنَا ٱلأَوَّلِينَ} [القصص: 36] إن هو إلا إفك افتراه، ولبَّس على الأنام أمره؛ تغريراً عليهم، وتضليلاً لهمز
{وَ} بعدما أبصروا الآيات القاطعة والبراهين الساطعة، ونسبوها من غاية غيهم وضلالهم إلى لاسحر والشعوذة، مع أنها بمراحل عنها {قَالَ مُوسَىٰ} بعدما قنط من إيمانهم وصلاحهم: {رَبِّيۤ} الذي رباني بأنواع الكرامات {أَعْلَمُ} منِّي {بِمَن جَآءَ بِٱلْهُدَىٰ} والرشد المنزل {مِنْ عِندِهِ} بمقتضى وحيه وإلهامه، ومن اهتدى واسترشد به {وَمَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ ٱلدَّارِ} يعني: العاقبة الحميدة المترتبة على هذه النشأة التي هي دار الابتلاء والاختبار، وبالجملة: {إِنَّهُ} سبحانه بمقتضى عدله وحكمته {لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّالِمُونَ} [القصص: 37] الخارجون عن مقتضى الحدود الإلهية، ولا يفوزون بما فاز المتقون من المثوبة العظمى والدرجة العليا.