خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يِقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ فَإِذَآ أُوذِيَ فِي ٱللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِ وَلَئِنْ جَآءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَ لَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ ٱلْعَالَمِينَ
١٠
وَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ
١١
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِّن شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ
١٢
وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ
١٣
-العنكبوت

تفسير الجيلاني

{وَمِنَ ٱلنَّاسِ} المجبولين على التزلزل والتذبذب {مَن يِقُولُ} خوفاً من عذاب الله {ءَامَنَّا بِٱللَّهِ} بلا تمكن له واطمئنان في قلبه {فَإِذَآ أُوذِيَ فِي} سبيل {ٱللَّهِ} من أعدائه انقلب على الكفر حيث {جَعَلَ فِتْنَةَ ٱلنَّاسِ} وإيذاءهم {كَعَذَابِ ٱللَّهِ} القادر بالقدرة الكاملة على أنواع المحن والابتلاءات؛ يعني: يسوون بين خوف الله وخوف الناس، فكما يؤمنون بالله من خوف عذابه يكفرون به من خوف عذاب الناس بلا تفاوت بين الخوفين وبين العذابين، بل يرجحون خوفهم على خوف الله، فيختارون الكفر على الإيمان من ضعف يقينهم وعدم رسوخهم وتمكينهم على الإيمان، وذلك من عدم ترقيهم من حضيض الجهل والتقليد إلى ذورة العرفان والتوحيد {وَ} من غاية تزلزلهم وتلونهم {لَئِنْ جَآءَ نَصْرٌ} وعون للمؤمنين الباذلين مهجهم في سبيل التوحيد {مِّن رَّبِّكَ} يا أكمل الرسل وصاروا غالبين على أعداء الله بنصر الله إياهم، وفازوا بالفتح والغنائم وأنواع الكرامات {لَيَقُولُنَّ} أولئك المذبذبون المتزلزلون، مبالغين في دعى الموافقة والمؤاخاة: {إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ} موافقين ظاهراً وباطناً، وفي دين الإسلام متمكنين مطئنين سراً وجهراً، فأشركونا في ما نلتم من الغنيمة والخير، وهم يقصدون بقولهم هذا التغرير والتلبيس على المؤمنين، بل على الله أيضاً، لذلك قال سبحانه: {أَ} تعتقدون التلبيس والتشبيه أيها الجاهلون بعلو شأنه {وَ لَيْسَ ٱللَّهُ} المتجلي على جميع ما ظهر وبطن في الأكوان غيباً وشهادةً {بِأَعْلَمَ} بعلمه الحضوري {بِمَا فِي صُدُورِ ٱلْعَالَمِينَ} [العنكبوت: 10] بل بما في استعداداتهم وقابلياتهم التي كانوا عليها حيث لم يكونوا؟ وإن كان حالهم أيضاً كذلك الآن عند من له أدنى حظ من المعرفة والإتقان.
{وَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ} المطلع لضمائر عباده ويميزن {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بالله وبذلوا جهدهم في سبيله، وليظهرن إخلاصهم ورسوخهم على الدين، وتمكنهم واطمئنانهم في مرتبة اليقين بعدما أمرهم بالجهاد والقتال الصوري والمعنوي {وَلَيَعْلَمَنَّ} ويظهرن أيضاً كيد {ٱلْمُنَافِقِينَ} [العنكبوت: 11] ومكرهم وتقاعدهم عن القتال، واحتيالهم في التخلف عن المؤمنين.
{وَ} من جملة مكرهم واحتيالهم مع المؤمنين وخداعهم إياهم {قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ} قاصدين إضلالهم عن طريق الحق وانصرافهم عن الدين المستبين: {ٱتَّبِعُواْ} أيها الحمقى المتذللون في أيدينا {سَبِيلَنَا} واختاروا طريقنا الذي كنا عليه من عبادة الأوثان والأصنام التي هي دين آبائنا وأسلافنا {وَ} إن خفتم على مقتضى زعمكم من أثقال ذنوبكم يوم العرض والجزاء {لْنَحْمِلْ} أثقال {خَطَايَاكُمْ} عنكم حينئذ فتصيروا مخففين بلا وزر وذنب، إنما قالوا هكذا؛ تغريراً عليهم وتضليلاً لهم واستهزاءً وإلا فهم منكرون بالآخرة وجميع ما فيها من الوعيدات الهائلة والإنذارات {وَ} هم وإن فرض أنهم اعتقدوا النشأة الأخرى ما فيها {مَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِّن شَيْءٍ} أي: شيئاً قليلاً من خطاياهم، فكيف بجميعها؟! وبالجملة: {إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [العنكبوت: 12] في جميع مواعيدهم وعهودهم؛ إذ الكل لا يطابق اعتقادهم ولا الواقع؛ إذ لا تحمل يومئذ وازرة وزر أخرى، عدلاً من الله تعالى.
ولهذا قال سبحانه مقسماً: {وَ} الله {لَيَحْمِلُنَّ} حنيئذٍ {أَثْقَالَهُمْ} اي: خطاياهم التي اقترفوها لنفوسهم يزيدون عليها {وَأَثْقَالاً} أُخر حاصلة من إضلالهم وتضليلهم عباد الله {مَّعَ أَثْقَالِهِمْ} الأصلية {وَ} الله مع تلك الأثقال على الأثقال {لَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} [العنكبوت: 13] على الله من إثبات الشريك له في الوجود واستحقاق العبادة، وعن نسبتهم إليهم ما لا يليق بشأنه افتراءً ومراءً.