خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ
٩٦
فِيهِ ءَايَٰتٌ بَيِّنَـٰتٌ مَّقَامُ إِبْرَٰهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَٰلَمِينَ
٩٧
قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ
٩٨
قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَدَآءُ وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
٩٩
-آل عمران

تفسير الجيلاني

ثم لما كان إبراهيم - صلوات الرحمن عليه - مستقيماً على صراط التوحيد، مستوياً عليه ما وضع سبحانه أول معبد للموحدين إلا لأجله كما قال: { إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ } ليعبدوا فيه الله ويتوجهوا إلى جنابه { لَلَّذِي بِبَكَّةَ } للبيت الذي بمكة قبل وضع المسجد الحرام، قبل وضع البيت المقدس بأربعين سنة، والحال أنه وضع { مُبَارَكاً } كثير الخير والنفع لساكنيه وطائفيه، يرشدهم إلى الإيما بالله وملائكته وكتبه ورسله { وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ } [آل عمران: 96] يوصلهم إلى التوحيد الذاتي لو كوشفوا بسرائر وضعه وتشريعه إذ: { فِيهِ ءَايَٰتٌ } دلائل وشواهد { بَيِّنَـٰتٌ } واضحات دالة على توحيد الذات منها: { مَّقَامُ إِبْرَٰهِيمَ } وهو مقام الرضا والتسليم { وَمَن دَخَلَهُ } ضيفاً مسلماً مفوضاً { كَانَ آمِناً } عن وسوسة الأنانية ودغدغة الغيرية، متصفاً بصفة الخلة { وَللَّهِ } أي: للوصول إلى توحيده وللتحقق بمقام عبوديته وإحسانه ويجب { عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ } الممثل عن قلب الخليل اللائق لخلعة الخلة { مَنِ ٱسْتَطَاعَ } منكم أيها الحيارى في صحارى الإمكان { إِلَيْهِ سَبِيلاً } ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من رشداً { وَمَن كَفَرَ } ولم يحج إنكاراً وعناداً { فَإِنَّ ٱلله } المستغني في ذاته عن جميع مظاهره ومصنوعاته { غَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَٰلَمِينَ } [آل عمران: 97] لم يبال بهم وبعابدتهم، وإنما أظهرهم وأوجب عليهم العبادة والرجوع إلى جنابه والتوجه نحو بابه؛ ليتحققوا في مرتبة العبودية، ويتقرروا فيها حتى يستحقوا الخلافة والنيابة المتفرعة على سر الظهور والإظهار.
{ قُلْ } يا أكمل الرسل لمن أنكر شعائر الإسلام { يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ } المدعين للإيمان بوحدانية الله { لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ } الدالة على توحيده المنزلة على نبيه الذي جاء من عنده بالتوحيد الذاتي ليكون مرسلاً إلى كافة البرايا رحمة للعالمينن؟ { وَ } لا تخافون من غضب الله وسخطه، إذ { ٱللَّهُ شَهِيدٌ } مطلع حاضر { عَلَى مَا تَعْمَلُونَ } [آل عمران: 98] من الإنكار والاستكبار والتحريف والاستسرار.
{ قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ } المدعين الاتباع بالكتب والرسل المنزلة من عند الله { لِمَ تَصُدُّونَ } تصرفون وتحرفون { عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } الذي هو دين الإسلام وهو الصراط المستقيم إلى صفاء الوحدة { مَنْ آمَنَ } انقاد وتدين به { تَبْغُونَهَا عِوَجاً } حال كونكم طالبين أن توقعوا فيه عوجاً وانحناء وضعفاً حتى يضعف اعتقاد المسلمين، ويتزلزون آراؤهم في أمور دينهم كما في زماننا هذا { وَ } الحال أنكم { أَنْتُمْ شُهَدَآءُ } مطلعون عن مطالعة كتبكم المنزلة من عند الله على ظهور دين الإسلام وارتفاع قدره وقدر من أوتي به ومع ذلك حرفتم الكتب وأنكرتم له عناداً واستكباراً { وَ } لا تغفلوا عن غضب الله وانتقامه؛ إذ { مَا ٱللَّهُ } العالم بالسرائر والخفيات { بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } [آل عمران: 99] من التلبيس والعناد والتحريف والتغيير.