خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَٰلِكُمْ مِّن شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ
٤٠
ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي ٱلنَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
٤١
قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّشْرِكِينَ
٤٢
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ ٱلْقِيِّمِ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ
٤٣
-الروم

تفسير الجيلاني

وكيف لا تطلبون وتقصدون بخيراتكم وصدقاتكم خالص وجه الله؛ وتشركون معه غيره من التماثيل والأظلال الهالكة، البالطة العاطلة؛ إذ {ٱللَّهُ} المتوحد المتفرد في ذاته، القادر المقتدر، الحكيم العليم {ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ} وأظهركم من كتم العجم، ولم تكونوا شيئاً مذكوراً لا بالقوة ولا بالفعل {ثُمَّ} بعدما أظهركم في بيداء الوجود {رَزَقَكُمْ} وأنعم عليكم من أنواع النعم؛ ليربيكم بها على مقتضى اللطف والكرم {ثُمَّ} بعدما انقضى الأجل المسمى عنده لبقائكم في النشأة الأولى {يُمِيتُكُمْ} على مقتضى قهره وجلاله تتميماً لقدرته الكاملة الغالبة {ثُمَّ} بعدما انقرضت النشاة الأولى المعدة لأنواع الابتلاءات والاختبارات الإلهية، المتعقلة لحكمة إظهاركم وإيجادكم في عالم الكون والفساد؛ لتتزودوا فيها من المعارف والحقائق، والاتصاف بالأخلاق الإلهية لنشأتكم الأخرى {يُحْيِيكُمْ} فيها؛ للعرض والجزاء وتنقيد ما اقترفتم من الأعمال والأحوال في النشأة الأولى؛ لتجازوا بها على مقتضى فيها.
وبعدما سمعتم ما سمعتم تأملوا وتدبروا منصفين أيها المشركون بالله المتوحد المتفرد، والمستقل في التصرفات الواقعة في ملكه غيرةً منه سبحانه وحميَّة؛ لحمى قدس ذاته من أن يحوم حول سرادقات عزه وجلاله شائبة فتور وقصور، وبعدما سمعتم هذا من خواص أوصافه سبحانه تأملوا {هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ} الذي ادعيتم شركتهم مع الله القادر المقتدر على أمثاله بالاستقلال والاختيار {مَّن يَفْعَلُ مِن ذَٰلِكُمْ} الذي سمعتم صدروه منه سبحانه {مِّن شَيْءٍ} حقير قليل، كلا وحاشا صدور شيء من الأشياء من غيره {سُبْحَانَهُ} أي: في ذاته منزه عن شوب الشركة والمظاهرة مطلقاً {وَتَعَالَىٰ} شأنه {عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الروم: 40] أولئك المشركون المسرفون علواً كبيراً.
ومن كمال جهلهم بالله، وغفلتهم عن علو قدره وسمو مكانته {ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ} وأنواع البليات والمصيبات الواقعة {فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ} من الجدب والعناء والوباء والزلزلة، وأنواع الحرق والغرق والضلالات الواقعة في السفن الجارية، مع أن أصل الظهور والبروز باعتبار الفطرة الأصلية على العدالة والاستقامة، وإنما ظهر ما ظهر من الانحرافات والانصرافات المنافية لصرافة الاعتدال الحقيقي الإلهي {بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي ٱلنَّاسِ} أي: بشؤم ما اقترفوا من الكفر والكفران، والفسوق والعصيان، والخروج عن مقتضى الحدود الإلهية الموضوعة على الاعتدال والقسط القويم، والحكمة في صدور هذه الانحرافات والفسادات منهم: {لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ} أي: ليذيق لهم العليم الحكيم في الدنيا وبال بعض أعمالهم الفاسدة، ويبقى بعضها إلى الآخرة ليستوفيها، وإنما نذيقهم نبذاً منها عاجلاً {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم: 41] إلينا بعدما ذاقوا ما ذاقوا من أنواع المحن والشدائد.
وإن أنكر هؤلاء المشركون إذاقتنا العذاب لأمثالهم {قُلْ} لهم يا أكمل الرسل نيابةً عنا: {سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ} المعدة لأنواع الكون والفساد {فَٱنْظُرُواْ} نظر معتبر منصف، ومتأمل مستبصر؛ ليظهر عندكم {كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ} مضوا {مِن قَبْلُ} مع أنهم {كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّشْرِكِينَ} [الروم: 42] أمثالكم، مشاركين معكم في الشرك والكفر، وأنواع الفسوق والعصيان.
وبعدما أشار سبحانه إلى وخامة عاقبة أصحاب الآراء الفاسدة، والأهواء الباطلة من المنحرفين عن جادة الاستقامة، المنصرفين عن سبيل السلامة، أمر حبيبه صلى الله عليه وسلم بالإقامة والاستقامة في منهج العدالة التي هي دين الإسلام الناسخ لجميع الأديان الباطلة، والآراء الزاهقة الزائلة، فقال: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ} أي: استقم وتوجه يا أكمل الرسل بوجه قلبك الذي يلي الحق {لِلدِّينِ ٱلْقِيِّمِ} المنزل من عنده سبحانه على الاستقامة والعدالة تفضلاً عليك وامتناناً {مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ} ويجيء {يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ} أي: لا يرد فيه ما نفذ من القضاء المبرم؛ لأن إتيانه {مِنَ ٱللَّهِ} العليم الحكيم على هذا الوجه؛ إذ لا استكمال ولا رجوع حينئذٍ، ولا ينفع الطاعة والعبادة حين حلوله، بل {يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ} [الروم: 43] أي: يتفرق الناس فرقاً، ويتحزبون أحزاباً على مقتضى ما كانوا عليه في نشأة الابتلاء والاختبار.