خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ
١٢
وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَـٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ
١٣
فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَآ إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُـواْ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
١٤
-السجدة

تفسير الجيلاني

{وَلَوْ تَرَىٰ} أيها المعتبر الرائي يومئذٍ بعدما بعث الخلائق، وعُرضوا على ربهم حيارى سكارى، تائهين هائمين {إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ} المنكرون بالعبث والنشور، والعرض والجزاء وشرف اللقاء حينئذٍ {نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ} من غاية الخجالة والحياء، قائلين من نهاية اضطرارهم واضطرابهم، مناجين معه سبحانه {رَبَّنَآ} يا من ربانا بأنواع الكرامة فكفرناك، وأرسلت لنا رسلاً فكذبانهم عناداً، وأنكرنا عليهم وعلى دعوتهم مكابرةً، فاليوم {أَبْصَرْنَا} ما هو الحق المطابق للواقع {وَسَمِعْنَا} منك حقاً صدق رسلك، وجميع ما جاءوا به من عندك {فَٱرْجِعْنَا} بفضلك ولطفك إلى الدنيا مرة بعد أخرى {نَعْمَلْ} فيها {صَالِحاً} مرضياً عندكـ مقبولاً على مقتضى ما أبصرتنا وأسمعتنا الآن {إِنَّا مُوقِنُونَ} [السجدة: 12] اليوم بجميع ما جاء به رسلك، ونطق به كتابك.
لو رأيت حالهم هذا، وسمعت مناجاتهم هذه حينئذٍ لرأيت أمراً فظيعاً فجيعاً، ثمَّ نودوا من وراء سرادقات العز والجلال: الآن قد مضى وقت الاختبار والابتلاء، وانقرض زمان التدارك والتلافي {وَلَوْ شِئْنَا} وتعلق إرادتنا بهدياتكم أولاً {لآتَيْنَا} في دار الابتدلاء {كُلَّ نَفْسٍ} منكم {هُدَاهَا} ووفقكم علهيا كما آتينا لخلَّص عبادنا، ويسرنا لهم الهداية والرشاد {وَلَـٰكِنْ حَقَّ} أي: صحَّ وثبت {ٱلْقَوْلُ} والحكم {مِنِّي} على مقتضى حكمتي ومصلحتي {لأَمْلأَنَّ} بمقتضى عزتي وجلالي {جَهَنَّمَ} المعدة لأصحاب الشقاوة والأزلية {مِنَ ٱلْجِنَّةِ} التي هي جنود إبليس {وَٱلنَّاسِ} الناسين مقتضى العهود الفطرية، والمواثيق الجبلية بتغريرات شياطين نفوسهم الأمَّارة بالسوء {أَجْمَعِينَ} [السجدة: 13] وما يبدل القول لدي، ولا معقب لحكمي.
{فَذُوقُواْ} أي: قلنا لهم بعدما لم نستجب دعوتهم: ذوقوا اليوم أيها الضالون المسرفون {بِمَا نَسِيتُمْ} أي: بسبب نسيانكم {لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَآ} مع أن الرسل بالغوا بإخباره إياكم، والكتب نطقت بتبيينه عليكم على أبلغ وجه وآكده، وأنتم أصررتم على الإنكار غافلين ناسيين مكابرين {إِنَّا نَسِينَاكُمْ} اليوم أنواع العذاب، كما نسيتم أنتم إيانا فيما مضى {وَذُوقُـواْ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ} أي: المخلَّد المؤبَّد {بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [السجدة: 14] من الكفران الدائم، والنيسان المستمر في النشأة الأولى، أعاذنا الله وعموم عباده من ذلك.