خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلْقِتَالَ وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً
٢٥
وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً
٢٦
وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً
٢٧
-الأحزاب

تفسير الجيلاني

{وَ} من كمال لطف الله على المؤمنين، ووفور رحمته وإحسانه عليهم {رَدَّ ٱللَّهُ} عنهم كيد أعدائهم {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} يعني: الأحزاب المزدحمين حواليهم، المتفقين على مقتهم {بِغَيْظِهِمْ} أي: مع كمال غيظهم في مقت المؤمنين، ووفور تهورهم وجرأتهم عليك؛ لذلك طردهم سبحانه خائبين خاسرين، بحيث {لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً} مما أملوا في نفوسهم من الظفر على المؤمنين واستئصالهم {وَ} من كمال رأفته سبحانه عل المؤمنين: {كَفَى ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلْقِتَالَ} أي: مؤنة قتال الأحزاب بريح الصبا وجنود الملائكة، بحيث لم يقدم أحد من المؤمنين لقتالهم فانهزموا إلى حيث لم يلتفت أحد منهم خلفه، ولم يعاون أخاه {وَ} ليس ببدع من الله أمثال هذه الكرامات لأنبيائه وأوليائه؛ إذ {كَانَ ٱللَّهُ} المراقب لأحوال عباده {قَوِيّاً} قديراً في نفسه يقوي أولياءه {عَزِيزاً} [الأحزاب: 25] غالباً ينصرهم ويغلبهم على أعدائهم فضلاً لهم وكرامةً عليهم.
{وَ} بعدما كفى الله المؤمنين مؤنة الأحزاب أراد أن يكفيهم مؤنة معاوينهم؛ لذلك {أَنزَلَ} سبحانه {ٱلَّذِينَ ظَاهَرُوهُم} وعاونوهم؛ أي: الأحزاب {مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ} يعني: يهود قريظة والنضير {مِن صَيَاصِيهِمْ} أي: حصونهم وقلاعهم، جميع صيصية، وهي ما يُتحصن به من الجبل وغيره، وذلك أنه بعدما انهم الأحزاب، ورجعوا خائبين خاسرين إلى بلادهم، ورجع صلى الله عليه وسلم إلى المدينة مع أصحابه، وشرع يغسل رأسه، والأصحاب قد انتزعوا عن أسلحتهم، فجاءه جبريل معتجراً بعمامة من إستبرق، والنقع على ثناياه وعلى فرسه الذي اسمه حيزوم، وقال: وضعتم السلاح، إن الملائكة لم تضع أسلحتها منذ أربعين ليلة، إن الله يأمرك بالمسير إلى قريظة، وإني مزلزل حصونها، وكان صلى الله عليه وسلم قد غسل نصف رأسه فعصبه وأذن بالرحيل، فقال:
"من كان سامعاً ومطيعاً فلا يصلين العصر إلى في بني قريظة" .
وأعطى رايته علياً - كرم الله وجهه - فسار بالناس حتى دنا من الحصن فحاصرهم عليه السلام إحدى و عشرين، أو خمساً وعشرين ليلة، وأجهدهم الحصار وضعفوا {وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ} أي: الخوف مع كونهم متحصنين، فأرسل عليه السلام فقال لهم: أتنزلون بحكمي فأبوا، فقال: على حكم سعد بن معاذ، فرضوا بحكمه فنزلوا، فحكم بقتل مقاتليهم وسبي ذراريهم ونسائهم، فكبَّر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "لقد حكمت بحكم الله يا سعد من فوق سبعة أرقعة" فقتل منهم ستمائة وأكثر، وأسر منهم سبعمائة، كما قال سبحانه {فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً} [الأحزاب: 26].
{وَ} بعدما استأصلوا بالأسر والقتل {أَوْرَثَكُمْ} الله سبحانه إليكم أيها المؤمنون {أَرْضَهُمْ} أي: مزارعهم {وَدِيَارَهُمْ} التي تسكنون فيها مع ما فيه من الأمتعة والرخوة {وَأَمْوَالَهُمْ} أي: مواشيهم ونقودهم وتجارتهم تفضلاً عليكم، وامتناناً {وَ} كذا تفضل سبحانه عليكم، وأورثكم {أَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا} أي: لم تتحركوا عليها، بل لم تبصروها ولم تسيروا إليها أصلاً، وهي خيبر أو مكة، أو فارس أو الروم، أو كل أرض يفتح الله إلى يوم القيامة {وَ} لا تتعجبوا من كمال فضل الله وسعة جوده أمثال هذه الكرامات؛ إذ {كَانَ ٱللَّهُ} المتفرد بالقدرة الكاملة، والقوة التامة الشاملة {عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ} من مقدوراته ومراداته {قَدِيراً} [الأحزاب: 27] لا يعسر عنده مقدور دون مقدور، بل الكل في جنب قدرته على السواء،
{ فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ } [الملك: 3] في مقدور حكيم قدير { ثُمَّ ٱرجِعِ ٱلبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ ٱلبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ } [الملك: 4].