خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

إِنَّ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ ٱليَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ
٥٥
هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلاَلٍ عَلَى ٱلأَرَآئِكِ مُتَّكِئُونَ
٥٦
لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ
٥٧
سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ
٥٨
وَٱمْتَازُواْ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ
٥٩
أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِيۤ ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ
٦٠
وَأَنِ ٱعْبُدُونِي هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ
٦١
وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ
٦٢
-يس

تفسير الجيلاني

ثم فصل سبحانه أحوال الأنام في النشأة الأخرى، فقال: {إِنَّ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ} وهم الواصلون إلى مقر التوحيد والمعرفة علماً وعيناً وحقاً {ٱليَوْمَ} أي: يوم القيامة المعد للجزاء {فِي شُغُلٍ} عظيم من أنواع المعارف والحقائق والمكاشفات والمشاهدات القالعة لعرق التقليدات، والتخمينات التي هي من لوازم الإمكان الذي هو من أسفل دركات النيران {فَاكِهُونَ} [يس: 55] فرحون، متلذذون أبداً بلا انقراض وانقضاء أصلاً.
بل {هُمْ} في شهودهم {وَأَزْوَاجُهُمْ} التي هي نتائج أعمالهم الصالحة {فِي ظِلاَلٍ} أي: ظلال الأسماء والصفات الإلهية {عَلَى ٱلأَرَآئِكِ} أي: المعارج العليَّة والدرجات السنيَّة {مُتَّكِئُونَ} [يس: 56] متمكنون راسخون، لا يتحولون منها ولا ينقلبون.
بل {لَهُمْ فِيهَا} عناية منا إياهم {فَاكِهَةٌ} كثيرة من تجددات المعارف والحقائق وتلذذات المكشوفات والشهودات على مقتضى التجليات الإلهية {وَ} بالجملة: {لَهُمْ} فيها {مَّا يَدَّعُونَ} [يس: 57] ويتمنون من مقتضيات التجليات المتشعشعة حسب الشئون والتطورات الإلهية التي لا نهاية لها، بلا تناه وتكرر.
وقيل لهم من قبل الحق حينئذ: {سَلاَمٌ} أي: تسليم وترحيب لهم وتكريم {قَوْلاً} ناشئاً {مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ} [يس: 58] أي: مرب مشفق لهم، يربيهم بمقتضى سعة رحمته على فطرة التوحيد، ويوصلهم إلى مقر الوحدة الذاتية بعدما رفعوا الشواغل المانعة عن التوجه إليها، ورفضوا العلائق العائقة عن التمكن دونها والتحلي بها.
{وَ} قيل حينئذ للمشركين المصرين على الشرك والعناد: {ٱمْتَازُواْ} وتميزوا {ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ} [يس: 59] المفرطون المسرفون في الإعراض عن الله بمتابعة الشيطان المضل المغوي عن طريق توحيدهمه.
ثم قرَّعهم سبحانه وعاتبهم؛ زجراً لهم وطرداً على وجه العموم؛ لئلا يأمن المؤمن مع اطمئنانهم على الإيمان ورسوخهم في العرفان {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِيۤ ءَادَمَ} ولم آخذ منكم موثقاً وثيقاً في مبدأ فطرتكم وبألسنة استعداداتكم وقابلياتكم {أَن لاَّ تَعْبُدُواْ} أي: بألاَّ تعبدوا {ٱلشَّيطَانَ} ولا تطيعوا منه ولا تقبلوا منه قوله ووساوسه المبعدة المحرفة لكم عن طريق توحيدي، إنما أحذركم يا ابن آدم عن إطاعته وانقياده {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} [يس: 60] ظاهر العداوة يريد أن يصدكم عمَّا جبلتم عليه بإغرائه وإغوائه.
{وَأَنِ ٱعْبُدُونِي} ووحدوني، واعتقدوا كمال أسمائي وأوصافي واستقلالي في عموم تدبيراتي وتصرفاتي في ملكي وملكوتي، وامتثلوا أمري ولا تشركوا معي في الوجود شيئاً من مظاهري ومصنوعاتي {هَـٰذَا} المعهود الموثوق {صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} [يس: 61] موصل إلى توحيدي، فاتخذوه سبيلاً، ولا تركنوا إلى الذين ضلوا عن طريقي وظلموا أنفسهم بالخروج عن مقتضى حدودي وأوامري وأحكامي وحكمي وتذكيراتي.
{وَ} كيف تعبدون الشيطان وتتبعون أثره وتنقادون أمره إيها العقلاء المجبولين على فطرة الهداية والرشاد؛ إذ {لَقَدْ أَضَلَّ} وأغوى هذا الغاوي المغوي {مِنْكُمْ} يا بني آدم {جِبِلاًّ كَثِيراً} وجماعة متعددة من بني نوعكم، فانحرفوا بإضلاله عن سواء السبيل ونقضوا بإغوائه وإغرائه المواثيق والعهود، فحرموا بذلك عن الجنة الموعودة لهم، فاستحقوا جهنم البعد ونيران الخذلان {أَ} تعبدون الشيطان وتقتفون أثره {فَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ} [يس: 62] أي: لم تستعملوا عقولكم في فظاعة أمره وشدة عداوته ووخامة عاقبة متابعته، وفيما يترتب على إضلاله من العذاب المخلد والنكال المؤبد، فتختارون متابعته وتقبلون منه تغريره، وتتركون طريق التوحيد، أفلا تعقلون أيها المسرفون المفرطون؟!.