خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ
٣٠
ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ
٣١
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ علَى ٱللَّهِ وَكَذَّبَ بِٱلصِّدْقِ إِذْ جَآءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ
٣٢
وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ
٣٣
لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَآءُ ٱلْمُحْسِنِينَ
٣٤
لِيُكَـفِّرَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ٱلَّذِي كَـانُواْ يَعْمَلُونَ
٣٥
-الزمر

تفسير الجيلاني

ثم قال سبحانه: {إِنَّكَ مَيِّتٌ} يعني: كيف لا يستقل سبحانه بالوجوه والآثار المرتبة عليه، مع أنك يا أكمل الرسل وأشرف الكائنات وأفضلهم معطل في ذاتك وفي نشأتك هذه عن استناد ما ظهر منك إليك؛ إذ لا وجود لك من ذاتك {وَإِنَّهُمْ} أي: غيرك من أشخاص بالطريق الأولى {مَّيِّتُونَ} [الزمر: 30] معطلون عن آثار الوجود مطلقاً في هذه النشأة، بل كلكم أنتم وعموم العباد مسخرون تحت حكمه وأمره، ما عليكم إلا الامتثال والانقياد.
{ثُمَّ إِنَّكُمْ} أيها الموحدون والمشركون جميعاً {يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} المعدة للحساب والجزاء {عِندَ رَبِّكُمْ} المطلع على جميع ما جرى عليكم {تَخْتَصِمُونَ} [الزمر: 31] بعضكم مع بعض فيما أنتم عليه في نشأتكم الأولى، ثم تحاسبون وتجازون بمقتضاه، فستعملون حنيئذ أي منقلب ينقلبون.
ثم قال سبحانه على سبيل الاستبعاد والتقريع: {فَمَنْ أَظْلَمُ} وأضل طريقاً {مِمَّن كَذَبَ علَى ٱللَّهِ} وأنكر وجوده واستقلاله فيه، وفي الآثار المترتبة عليه {وَكَذَّبَ بِٱلصِّدْقِ إِذْ جَآءَهُ} يعني: بالقرآن الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم مبيناً لتوحيد الحق، واستقلاله في الوجود {أَلَيْسَ} يبقى {فِي جَهَنَّمَ} البعد والحرمان {مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ} [الزمر: 32] الساترين بغيوم هوايتهم الباطلة شمس الحق الظاهرة في الآفاق بالاستقلال والاستحقاق، مع أنه معد لهؤلاء المردة المطرودين عن ساحة العز القبول.
{وَ} الموحد {ٱلَّذِي} من قبل ربه {جَآءَ بِٱلصِّدْقِ} بلا افتراء ومراء {وَصَدَّقَ بِهِ} إيماناً واحتساباً بلا شوب شك وتردد فيه {أُوْلَـٰئِكَ} السعداء الصادقون المصدقون {هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ} [الزمر: 33] الذين يحفظون عن الميل إلى ما لا يرضى منهم سبحانه.
وبسبب اتصافهم بالتقوى عن محارم الله {لَهُم مَّا يَشَآءُونَ} من اللذات الروحانية {عِندَ رَبِّهِمْ} الذي رباهم بأنواع الكرامة، ووفقهم للهداية إلى جنابه، والعكوف حول بابه تفضلاً عليهم وتكريماً {ذَلِكَ} الذي سمعت من الكرامات {جَزَآءُ ٱلْمُحْسِنِينَ} [الزمر: 34] الذين يحسنون الأدب مع الله بحسب ظواهرهم وبواطنهم، ويأخذون ما نزل من عنده من الأوامر والنواهي على وجه العزيمة الخالصة عن شوب الرياء والرعونات المنافية لإخلاص العبودية.
{لِيُكَـفِّرَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ} بسبب أخلاصهم في عزائمهم {أَسْوَأَ} العمل {وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ} فكيف أسهله وأصغره {ٱلَّذِي عَمِلُواْ} أي: يعطيهم جاء أعمالهم في الآخرة {بِأَحْسَنِ ٱلَّذِي كَـانُواْ يَعْمَلُونَ} [الزمر: 35] أي: أحسن من حسناتهم، وأوفر منها؛ لخلوصهم فيها.