خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ
٦
ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ
٧
رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدْتَّهُمْ وَمَن صَـلَحَ مِنْ آبَآئِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ
٨
وَقِهِمُ ٱلسَّيِّئَاتِ وَمَن تَقِ ٱلسَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ
٩
-غافر

تفسير الجيلاني

{وَكَذَلِكَ حَقَّتْ} وثبتت {كَلِمَةُ رَبِّكَ} يا أكمل الرسل في لوح قضائه وحضرة علمه {عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} بك وبدينك وكتابك {أَنَّهُمْ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ} [غافر: 6] أي: ملازموها وملاصقوها أبد الآباد، لا نجاة لهم منها، فـ { وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ } [النحل: 127].
ثم أشار سبحانه إلى حثِّ المؤمنين الموحدين على الإيمان، ومواظبة الشكر على إنعام الله إياهم باليقين، فقال: {ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ} وهم الكروبيون الذين سبقوا بحمل العرش الإلهي، وحفظ ما انعكس فيهم من تجلياته الجمالية بدوام المراقبة والمطالعة بوجهه الكريم {وَمَنْ حَوْلَهُ} من الملائكة الذين يطوفون حول العرش، ويقتفون أثر أولئك الحملة السابقين كلهم {يُسَبِّحُونَ} وينزهون الحق عن سمات الحدوث والإمكان، ويقدسونه عن عروض السهو والنيسان؛ إذ كمال ما يدرك المدرك منه سبحانه إنما هو التسبيح والتقديس، وإلا فالأمر أعز وأعلى من أن يحيط به الآراء ويحوم حوله الأهواء، ويواظبون {بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} على ما أولاهم نعمة التوجه إليه والتحنن نحوه.
{وَ} بالجملة: {يُؤْمِنُونَ بِهِ} سبحانه، ويوحدونه، ويعتقدون أوصافه العليا وأسماؤه الحسنى، وإن عجزوا عن كنه ذاته {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ} أي: يطلبون العفو والستر منه سبحانه لذنوب إخوانهم الذين آمنوا بوحدة الحق وكمالات أسمائه وصفاته، مثل إيمانهم سواء كانوا سماويين أو أرضيين، قائلين مناجين مع ربهم حين استغفارهم: {رَبَّنَا} يا من ربانا على فطرة تسبيحك وتقديسك، ومداومة حمدك وثنائك، أنت بذاتك بمقتضى كرمك وجودك {وَسِعْتَ كُـلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً} أي: وسعت رحمتك، وأحاطت حضرة علمك على كل ما لمع عليه بروق تجلياتك وشروق شمس ذاتك {فَٱغْفِرْ} لسعة رحمتك وجودك {لِلَّذِينَ تَابُواْ} ورجعوا نحو بابل نادمي، وامحُ عن عيون بصائرهم سبل الغير والسوى في جنب بابك {وَٱتَّبَعُواْ} بالعزيمة الصادقة الخالصة {سَبِيلَكَ} الذي أرشدتهم إليه بوحيك على رسلك { وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ} [غافر: 7] أي: احفظهم عن عذاب الطرد والحرمان المعد لأصحاب الخسران في جميع حجتهم الخذلان.
{رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ} بفضلك ولطفك {جَنَّاتِ عَدْنٍ} أي: متنزههات العلم والعين والحق {ٱلَّتِي وَعَدْتَّهُمْ} في كتابك لعموم أرباب العناية من عبادك {وَ} كذا أدخل {مَن صَـلَحَ} عندك لفيضان جودك وإحسانك {مِنْ آبَآئِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ} الذين تناسلوا منهم على فطرة التوحيد، وحلية الإيمان والعرفان {إِنَّكَ} بذاتك وأسمائك وصفاتك {أَنتَ ٱلْعَزِيزُ} المنيع ساحة عز حضوره عن أن يحوم حوله شائبة وهم أحد من مظاهرك ومصنوعاتك {ٱلْحَكِيمُ} [غافر: 8] في جميع أفعالك الصادرة عنك على كمال الإحكام والإتقان.
{وَقِهِمُ} بمقتضى حكمتك المتقنة {ٱلسَّيِّئَاتِ} أي: الجرائم والآثام المستتبعة لإدخالهم إلى دركات النيران، {وَمَن تَقِ ٱلسَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ} أي: من تحفظه أنت بمقتضى لطفك وتوفيقك عن المعاصي في النشأة الأولى {فَقَدْ رَحِمْتَهُ} ألبتة في النشأة الأخرى {وَذَلِكَ} أي: وقايتك وحفظك إياهم عن أسباب الخذلان والحرمان {هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} [غافر: 9] والكرم العميم واللطف الجسيم.