خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَلَقَدْ مَكَّنَاهُمْ فِيمَآ إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُواْ يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَحَاقَ بِهم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ
٢٦
وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِّنَ ٱلْقُرَىٰ وَصَرَّفْنَا ٱلآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
٢٧
فَلَوْلاَ نَصَرَهُمُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ قُرْبَاناً آلِهَةَ بَلْ ضَلُّواْ عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ
٢٨
-الأحقاف

تفسير الجيلاني

ثم أشار سبحانه إلى توبيخ مشركي مكة ومجرميهم على وجه التأكيد والمبالغة، فقال سبحانه مقسماً: {وَ} الله يا أهل مكة {لَقَدْ مَكَّنَاهُمْ} أي: عاداً {فِيمَآ} أي: في الأمور التي أن {مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ} أي: ما مكناكم وأقدرناكم فيه من كثرة الأموال والأولاد والحصون والقلاع والقصور الرفيعة والمنازل الوسيعة {وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً} ليسمعوا به آياتنا الدالة على وحدة ذاتنا {وَأَبْصَاراً} ليشهدوا بها آثار قدرتنا ومتانة حكمتنا الدالة على كمال علمنا {وَأَفْئِدَةً} ولينكشفوا بها على وحدة ذاتنا ويتفطنوا بها باستقلالنا في تدبيراتنا وتصرفاتنا، ومع ذلك {فَمَآ أَغْنَىٰ } ودفع {عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مِّن شَيْءٍ} أي: شيئاً من الإغناء، أي: ما أفاد لهم هذه الآلات العجيبة الشأن شيئاً من الفائدة التي هي إنقاذهم عن الجهل بالله، وعم الضلال في طريق توحيده؛ إذ {كَانُواْ يَجْحَدُونَ} وينكرون بمقتضى جهلهلم المركب في جبلتهم أمثالكم أيها الجاحدون بآيَاتِ اللهِ ودلائل توحيده، ويستهزئون بها وبمن أنزلت إليه من الرسل {وَ} لذلك {حَاقَ} وأحاط {بِهم} وبال {مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [الأحقاف: 26] عاجلاً، وسيلحقهم وينزل عليهم وعليكم أيضاً أيها المسرفون آجلا بأضعافه وآلافه.
{وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا} وخربنا {مَا حَوْلَكُمْ مِّنَ ٱلْقُرَىٰ} الهالكة كعاد وثمود؛ لتعتبروا منها، وتتعظوا بما لحق بأهلها من أنواع البليات {وَصَرَّفْنَا ٱلآيَاتِ} الدالة على كمال قدرتنا واختيارنا وكررناها مراراً {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الأحقاف: 27] إلينا منخلعين عن مقتضى وجوداتهم الباطلة وهياتهم العاطلة، مع ذلك لم يرجعوا، ولم ينخلعوا.
{فَلَوْلاَ نَصَرَهُمُ} أي: هلا نصرهم ومنعهم عن الهلاك والإهلاك شفعاؤهم {ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ} الفرد الصمد، وقربوا لهم {قُرْبَاناً} لأنهم اتخذوهم {آلِهَةَ} شركاء مع الله في الألوهية والربوبية، لذلك تقربوا إليهم، وتوجهوا نحوهم في عموم الملمات، مع أنه ما ينفعهم لدى الحاجة إليهم وإلى تصرفهم {بَلْ ضَلُّواْ} وغلبوا {عَنْهُمْ} فأنى ينصرهم ويدفع عنهم ما يضرهم {وَذَلِكَ} الذي اعتقدوا في شأنهم {إِفْكُهُمْ} أي: صرفهم عن الحق وإعراضهم عنه وميلهم إلى الباطل وإصرارهم فيه {وَمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} [الأحقاف: 28] أي: افتراؤهم على الله بإثبات الشريك له، والمشاركة معهم.