خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوۤاْ أَنصِتُواْ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْاْ إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ
٢٩
قَالُواْ يٰقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ
٣٠
يٰقَوْمَنَآ أَجِيبُواْ دَاعِيَ ٱللَّهِ وَآمِنُواْ بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ
٣١
وَمَن لاَّ يُجِبْ دَاعِيَ ٱللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءُ أُوْلَـٰئِكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ
٣٢
-الأحقاف

تفسير الجيلاني

{وَ} اذكر لمن عاندك وكذلك إلزاماً لهم وتبكيتاً وقت {إِذْ صَرَفْنَآ} وأملنا {إِلَيْكَ} يا أكمل الرسل تأييداً لك ولشأنك {نَفَراً} جماعة {مِّنَ ٱلْجِنِّ} حال كونهم {يَسْتَمِعُونَ} منك {ٱلْقُرْآنَ} حين تلوته في صلاتك وتهجدك {فَلَمَّا حَضَرُوهُ} أي: القرآن وسمعوه، تعجبوا من حسن نظمه واتساقه، وكمال بلاغته وفصاحته {قَالُوۤاْ} أي: بعضهم لبعض: {أَنصِتُواْ} ولا تخالطوا أصواتكم حتى نسمع على وجهه؛ إذ هو كلام عجيب في أعلى مرتبة البلاغة {فَلَمَّا قُضِيَ} وتم قراءته وفهموا معناه وفحواه {وَلَّوْاْ} ورجعوا {إِلَىٰ قَوْمِهِم} حال كونهم {مُّنذِرِينَ} [الأحقاف: 29] بما يفهمون منه من الإنذارات والوعيدات القوم الذين بلغوا حد التكليف من إخوانهم ينذرونهم بها عن الضلال والانحراف عن طريق الحق.
إذ: {قَالُواْ} أي: النفر المستمعون مبشرين لقومهم: {يٰقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً} عجيباً سماوياً، وعربياً نظماً وأسلوباً {أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} أي: جميع الكتب السالفة السماوية شأنه أنه {يَهْدِيۤ إِلَى} توحيد {ٱلْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الأحقاف: 30] موصل إليه بلا عوج وانحراف، وهذا الكتاب العجيب الشأن، الجلي البرهان، منزل إلى داع من العرب اسمه محمد صلى الله عليه وسلم يدعو قاطبة الأنام إلى دين الإسلام بوحي الله العليم العلام.
{يٰقَوْمَنَآ أَجِيبُواْ دَاعِيَ ٱللَّهِ} يعني: محمداً صلى الله عليه وسلم واقبلوا منه دعوته إلى توحيد الحق ودين الإسلام {وَآمِنُواْ بِهِ} وبكتابه الذي أنزل إليه لتبيين دينه وتأييد أمره {يَغْفِرْ لَكُمْ} سبحانه {مِّن ذُنُوبِكُمْ} أي: من جميعها أن تبتم ورجعتم إليه مخلصين {وَيُجِرْكُمْ مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأحقاف: 31] هو عذاب النار؛ إذ لا عذاب أشد منها وأفزع.
{وَ} بالجملة: {مَن لاَّ يُجِبْ دَاعِيَ} ولا يؤمن به سبحانه، وبجميع ما جاء داعية من عنده، بل كذب الداعي وأنكر دعوته ولم يقبل منه {فَلَيْسَ} هو أي: المنكر {بِمُعْجِزٍ فِي ٱلأَرْضِ} حتى يهرب عن انتقامه سبحانه، ويفر من غضبه من مكان على مكان، أو يستر عنه سبحانه ويخفى نفسه في أقطار الأرض، بل له الإحاطة والاستيلاء بعموم الأمكنة والأنحاء {وَلَيْسَ لَهُ} أي: للمنكر المعاند {دُونِهِ} سبحانه {أَوْلِيَآءُ} يوالونه وينقذونه من غضب الله وعذابه بعدما نزل عليه، وبالجملة: {أُوْلَـٰئِكَ} المنكرون المكابرون الذين لا يجيبون داعي الله، ولا يقبلون منه دعوته عناداً ومكابرة {فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [الأحقاف: 32] وغواية ظاهرة، يجازيهم سبحانه بمقتضى ما صدر عنهم من الغي والضلال.