خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱجْتَنِبُواْ كَثِيراً مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ ٱلظَّنِّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسَّسُواْ وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ
١٢
يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوۤاْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ
١٣
قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ لاَ يَلِتْكُمْ مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
١٤
إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصَّادِقُونَ
١٥
قُلْ أَتُعَلِّمُونَ ٱللَّهَ بِدِينِكُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
١٦
يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ قُل لاَّ تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسْلاَمَكُمْ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمَانِ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ
١٧
إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ
١٨
-الحجرات

تفسير الجيلاني

{يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} مقتضى إيمانكم: متابعة اليقين في عموم الأحوال والمقامات، وترك الظنون والجهالات في جميع الحالات إلا ظن الخير بالله وبخلص عباده من الأنبياء والأولياء، المستبعدين بمراحل عن التهمة والتغرير {ٱجْتَنِبُواْ كَثِيراً مِّنَ ٱلظَّنِّ} المورث لكم المراء والمجادلة مع الله ورسوله وعموم المؤمنين، وبالجملة: {إِنَّ بَعْضَ ٱلظَّنِّ} هو الملقى إليكم من قبل الشيطان المزور الغوي {إِثْمٌ} خرج وفسوق عن مقتضى الحدود الإلهية {وَلاَ تَجَسَّسُواْ} أي: من جملة أخلاقكم المحمودة ترك التجسس والتفحص عن خلائل بني نوعكم قطعاً عليكم ألا تبحثوا عن عورات المسلمين وغيرهم، سيما بما يوجب هتك حرماتهن من المفتريات الباطلة الشنعية {وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً} أي: من جملة أخلاقكم، بل من معظمها أيها المؤمنون القاصدون لسلوك طريق التوحيد: ترك الغيبة، وهي: أن يذكر بعضكم بعضاً منكم في غيبته بشيء لو كان حاضراً عندكم، ليشق عليه ويكرهه.
وسئل صلى الله عليه وسلم عن الغيبة، فقال:
"أن تذكر أخاك بما يكرهه، فإن كان فيه، فقد اغتبته، وإن لم يكن فقد بهته" وكلاهما خارجان عن اعتدال أهل الإيمان.
ثم أكد سبحانه هذا النهي على وجه المبالغة في التوبيخ، فقال: {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ} وترضى نسه {أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ} سيما حال كونه {مَيْتاً} لو فرض عرض هذا عليكم {فَكَرِهْتُمُوهُ} ألبتة؛ إذ لا يمكنكم إنكار كراهته، وغيبة الأخ المؤمن أكرهه واقبح من هذا {وَ} بالجملة: {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} المنتقم الغيور عن ارتكاب الغيبة المحرمة، وتوبوا إليه عنها وعن أمثالها {إِنَّ ٱللَّهَ} المطلع على ما في ضمائركم من الندم والإخلاص {تَوَّابٌ} يقبل منكم توبتكم {رَّحِيمٌ} [الحجرات: 12] يمحو عنكم زلتكم بعدما تبتم ورجعتم نادمين عما فعلتم.
ثم أكد سبحانه أيضاً هذا الحكم على وجه التفصيل، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} الناسون للمنشأ الأصلي والفطرة الجبلية {إِنَّا خَلَقْنَاكُم} أي: أوجدناك وأخرجناكم جميعاً {مِّن ذَكَرٍ} هو: آدم المصور بصورتنا اللاهوتية، المجبول على خلافتنا {وَأُنْثَىٰ} هي: حواء المتشعبة من آدم باعتبار ناسوته {وَ} بعدما صيراناهما زوجين ممتزجين، مزودين من حصة اللاهوت والناسوت {جَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً} متكثرة من أصل واحد هو آدم {وَقَبَآئِلَ} مختلفة متجزئة من تلك الشعوب.
الشعب: هي الجمع المتكثر المنشعب عن أصل واحد.
والقبيلة: هي الفرق المخلتفة الحاصلة من الشعب.
والعمارة: هي الطائفة المتفرعة من القبيلة.
والبطم: الجمع المتفرع على العمارة.
والفخذ: جمع متفرع على البطن.
والفصيل: على الفخذ.
فخزيمة مثلاً شعب، وكنانة قبيلة، وقريش عمارة، وقصي بطن، وهاشم فخذ، وعباس فصيل.
وإنما جعلناكم كذلك {لِتَعَارَفُوۤاْ} أي: يعرف بعضكم بعضاً، وأدى تعارفكم إلى التلاحق في المنشأ لا للتفاخر والتغالب؛ إذ لا تفاخر بينكم إلا بالكرامة والنجابة المترتبة على حقية اللاهوت، وبالجملة: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ} عن لوازم الناسوت وشواغل الهيولي {إِنَّ ٱللَّهَ} المطلع على استعدادات عباده {عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13] بما في ظواهرهم وبواطنهم، يوفقهم على مقتضى علمه وخبرته.
ومن عدم امتثالهم وانقيادهم بأمر التعارف والتلاحق الموصى إليهم من قِبل الحق {قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ} التي هي المثل في اللدد والعناد على سبيل التغالب والتفاخر حين قدموا المدينة في سنة جدبة، وأظهروا الشهادتين لا عن عزيمة خالصةٍ وقصدٍ صادقٍ، بل عكلى سبيل الخداع والنفاق، ولهذا كانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم على سبيل الامتنان: أتيناك بالأحمال والأثقال، ولم نقاتل معك كما قاتل بنو فلان {آمَنَّا} بك بلا سبق خصومةٍ منا معك، بالجملة يمنون عليك يا أكمل الرسل بإيمانهم الواهي وصدقاتهم الغير وافية {قُل} لهم يا أكمل الرسل بعدما أظهورا ما أضمروا في ضمائرهم من المنة والغلول المنافي للإخلاص والإيمان {لَّمْ تُؤْمِنُواْ} أيها الأعراب بمجرد قولكم آمنا؛ إذ الإيمان إنما هو من أفعال القلوب الصافية عن كدر المن والأذى مطلقاً {وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ} بدل قولكم "آمنَّا" {أَسْلَمْنَا} أي: دخلنا في السلم، وصالحنتا على ألاَّ تخاصم بيننا وبينكم ولا نزاع، وكيف تقولون: آمنَّا {وَ} الحال أنه {لَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَانُ} والإذعان {فِي قُلُوبِكُمْ} التي هي وعاؤه وهو من أفعالها {وَ} بالجملة: {إِن تُطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} أي: حق إطاعتهما وانقيادهما مخلصين {لاَ يَلِتْكُمْ} ولا ينقصكم {مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً} أي: من أجورها وجزائها إن أخلصتم فيها، وجئتم بها بلا منّ وأذى {إِنَّ ٱللَّهَ} المطلع بنيات عباده {غَفُورٌ} لمن تاب عن فرطاته {رَّحِيمٌ} [الحجرات: 14] يرحم عليه وبقبل توبته.
وبالجملة: {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ} المخلصون هم {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} وأخلصوا في إيمانكم وإذعانهم؛ ليصلوا إلى مرتبة التوحيد المسقط لعوم الإضافات {ثُمَّ} بعدما آمنوا وآيقوا {لَمْ يَرْتَابُواْ} ولم يشكوا قط فيما آمنوا {وَ} مع ذلك {جَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} مع أعداء الله {أُوْلَـٰئِكَ} السعداء المقبولون عند الله {هُمُ ٱلصَّادِقُونَ} الحجرات: 15] المقصورون على الصدق والإخلاص، الفائزون عند ربهم بأنواع الفوز والفلاح، المتمكنون في مقعد الصدق عند مليك مقتدر.
{قُلْ} لهم يا أكمل الرسل بعدما أظهروا الإيمان الجعلي بألسنتهم، ولم تواطئ عليه قلوبهم: {أَتُعَلِّمُونَ} وتخبرون أيها الجاهلون {ٱللَّهَ} المطلع لعموم السرائر والخفايا {بِدِينِكُمْ} وإيمانكم هذا {وَ} الحال أنه {ٱللَّهُ يَعْلَمُ} بعلمه الحضوري جميع {مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ} من الغيوب والشهادات {وَ} جميع {مَا فِي ٱلأَرْضِ} أيضاً كذلك {وَ} بالجملة: اللهُ المحيط بالكل {بِكُلِّ شَيْءٍ} دخل في حيطة الوجود {عَلِيمٌ} [الحجرات: 16] لا يعزب عن علمه شيء مما لمع عليه برق الوجود.
ثم قال سبحانه تعليماً لحبيبه صلى الله عليه وسلم وإرشاداً: {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ} يا أكمل الرسل {أَنْ أَسْلَمُواْ} إسلامهم، ودخولهم في السلم مع أنهم ليسوا مؤمنين مذعنين {قُل} في جوابهم يا أكمل الرسل إلزاماً وتبكيتاً: {لاَّ تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسْلاَمَكُمْ} أي: بإسلامكم هذا، ولا تعدوا أنفسكم من جملة الموقنين بمجرد ما تفوهتم بالإيمان {بَلِ ٱللَّهُ} العالم لعموم السرائر والخفايا {يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ} أي: يهديكم وأرشدكم {لِلإِيمَانِ} المثمر للعرفان، المستلزم للتوحيد وعلى العيان {إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [الحجرات: 17] في إيمانكم، موافقين قلوبكم بألسنتكم، مطابقين لجامع أنكم لستم كذلك.
وبالجملة: {إِنَّ اللَّهَ} المطلع في ضمائر عباده من الثقة والإخلاص {يَعْلَمُ} بحضرة علمه الحضوري {غَيْبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَ} بالجملة: {ٱللَّهُ} المراقب بعموم أحوالكم وأطواركم {بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحجرات: 18] من الأعمال خيراً كان أو شراً، يجازيكم بمقتضى بصارته وعلمه.
جعلنا الله من زمرة المؤمنين الموقنين المخلصين الذين
{ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } [البقرة: 62].
خاتمة السورة
عليك أيها الموحد المحمدي، المتمكن المتحقق في مقام التوحيد الذاتي - مكنك الله في مقر عزك وتمكينك - أن تترفع بنفسك عن مطلق الزذائل المتعلقة بالأهوية الفاسدة والأماني الكاسدة، سيما عن المنِّ والأذى في الإنفاق، ورعونات السمعة والرياء في مطلق الطاعات، وإياك إياك أن تتفوق على أحد من بني نوعك وإخوانك في عموم حالاتك وأزمانك، فإنه من شيم أصحاب النخوة والكفران المورث لهم أنواع الخيبة والخسران وأصناف الخذلان والحرمان، ولك أن تلازم التواضع والانكسار مع عموم المظاهر والمجالي، والاعتزال عن مطلق أصحاب الجاه والاعتبار، والقناعة مع الكفاف والعزلة.
جعلنا الله ممن تنبه على منهج الصدق والصواب، واجتنب عما ينافيه بتوفيق الحق وتيسيره.