خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ وَلاَ تَنقُصُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ إِنِّيۤ أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ
٨٤
وَيٰقَوْمِ أَوْفُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ
٨٥
بَقِيَّتُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ
٨٦
قَالُواْ يٰشُعَيْبُ أَصَلَٰوتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَآ أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِيۤ أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لأَنتَ ٱلْحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ
٨٧
قَالَ يٰقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ ٱلإِصْلاَحَ مَا ٱسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيۤ إِلاَّ بِٱللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ
٨٨
-هود

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

ثم أخبر عن فعال ناقصي المكيال بقوله تعالى: {وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً} [هود: 84] القصة قوله: {وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ} يشير إلى أن جميع الأنبياء - عليهم السلام - كانت كلمتهم في التوحيد واحدة لأن الإله واحد وهي الدعوة إلى الواحد بالمعبودية المعرفة والطلب، ولأنه {مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ} [هود: 84] تعبدونه وتحبونه وتطلبونه غيره {وَلاَ تَنقُصُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ} [هود: 84] أي: مكيال المحبة وميزان الطلب، فإن للمحبة مكيال أو هو عداوة ما سوى الله تعالى كما قال الخليل عليه السلام عند إظهار الخلقة: { فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ } [الشعراء: 77]، فإنك إن تحب أحداً أو شيئاً مع الله فقد نقصت في مكيال محبة الله، وإن للطالب ميزاناً وهو السير على قدمي الشريعة والطريقة كما قال خطوتان وقد وصلت، فإن خطوت خطوة دونهما فقد نقصت من الميزان.
{إِنِّيۤ أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ} [هود: 84] وهو حسن الاستعداد في طلب الحق، {وَإِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ} [هود: 84] وهو عذاب فساد الاستعداد وبطلان طلب غير الحق، ودوام إحاطته يوم يكمل فينادي: {وَيٰقَوْمِ أَوْفُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ} [هود: 85] أي: بالقسط على الله في تعظيم أمره وعلى الخلق في الشفقة عليهم، {وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ} حقوقهم من النصيحة وحسن المعاشرة في الله واللهُ، {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ} [هود: 85] أرض وجودكم، {مُفْسِدِينَ} [هود: 85] استعدادكم بمخالفات الشريعة وموافقات الطبيعة، {بَقِيَّتُ ٱللَّهِ} [هود: 86] أي: بقاؤكم بإبقاء الله، {خَيْرٌ لَّكُمْ} [هود: 86] مما فاتكم بإيفاء المكيال والميزان، {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [هود: 86] مصدقين بهذه المقامات والكرامات.
{وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} [هود: 86] أي: بحافظ عليكم حسن استعدادكم، فإنما على أن أنصح لكم بحفظ الاستعداد وصرفه في طلب الحق، فإني أدلكم على كيفية الطلب والوجدان، {قَالُواْ يٰشُعَيْبُ أَصَلَٰوتُكَ} [هود: 87] في طلب الحق بزعمك، {تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَآ} [هود: 87] من الدنيا وشهواتها وتمتعاتها، {أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِيۤ أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ} [هود: 87] من الترك والإنفاق على الفقراء والإخراج من أيدينا ونحن بها من غيرنا، {إِنَّكَ لأَنتَ ٱلْحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ} [هود: 87] فيما تأمرنا أي: ما أنت بحليم ولا رشيد فيما ترشدنا إليه، {قَالَ يٰقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي} [هود: 88] دلالة وهداية من ربي، {وَرَزَقَنِي مِنْهُ} [هود: 88] أي من نور هدايته، {رِزْقاً حَسَناً} [هود: 88] نوراً تاماً أرى صلاح الأمور وفسادها، فآمركم بطلب الحق، وأنهاكم عن طلب غير الحق.
{وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ} [هود: 88] فيما أأمركم به، {إِلَىٰ مَآ أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ ٱلإِصْلاَحَ} [هود: 88] إصلاح ما أفسدتم من حسن الاستعداد في طلب غير الحق، {مَا ٱسْتَطَعْتُ} [هود: 88] أي: بقدر علمي وبذل جهدي، {وَمَا تَوْفِيقِيۤ} [هود: 88] في الإصلاح، {إِلاَّ بِٱللَّهِ} [هود: 88] بعونه وهدايته والتوفيق اختصاص العبد بعناية أزلية ورعاية أبدية، {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} [هود: 88] فيما اختصني به في الأزل، {وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود: 88] فيما قدر لي لا إلى غيره، والتوكل على ثلاثة أوجه:
توكل المبتدئ: وهو ترك الأسباب في طلب المعاش.
وتوكل المتوسط: وهو ترك طلب المعاش في طلب العيش مع الله.
وتوكل المنتهي: وهو استهلاك الوجود في وجود الله وإفناء الاختيار في اختيار الله؛ ليبقى في هويته بلا هو متصرفاً في الأسباب به، ولا يرى التصرف والأسباب إلا لمسبب الأسباب.