خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِيۤ أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَآ أُمَمٌ لِّتَتْلُوَاْ عَلَيْهِمُ ٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَـٰنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ
٣٠
وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ ٱلأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ ٱلْمَوْتَىٰ بَل للَّهِ ٱلأَمْرُ جَمِيعاً أَفَلَمْ يَيْأَسِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعاً وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ
٣١
وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ
٣٢
-الرعد

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

{كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِيۤ أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَآ أُمَمٌ لِّتَتْلُوَاْ عَلَيْهِمُ ٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَـٰنِ} [الرعد: 30] أي: بالرحمن يشير إلى أن الأمم لما كفروا بالله كفروا بالرحمن؛ لأن الرحمانية قد اقتضت إيجاد المخلوقات، فإن القهارية كانت مقتضية الوحدانية بألا يكون معه أحد، فسبقت الرحمانية القهارية في إيجاد المخلوقات.
ولهذا السر قال الله تعالى:
{ إِن كُلُّ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ إِلاَّ آتِي ٱلرَّحْمَـٰنِ عَبْداً } [مريم: 93] فأرسل الله تعالى الرسل، وأنزل معهم الكتب ليقرأوا عليهم ويذكروهم بأيام الله التي كان الله ولم يكن معه شيء ثم أوجدهم وأخرجهم من العدم إلى الوجود، وهو الذي رب كل شيء وخالقه ولا إله إلا هو وإليه المرجع والمآب.
كما قال تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: {قُلْ هُوَ رَبِّي لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} [الرعد: 30] إذ لا خالق ولا رازق إلا هو {وَإِلَيْهِ مَتَابِ} [الرعد: 30] وبهذا كان مأموراً أن يتلو على أمته، كما كان الرسل مأمورين بتلاوته على الأمم، ليؤمنوا بالرحمن ولا يكفروا به.
ثم أشار بقوله: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ} [الرعد: 31] أرض البشرية {أَوْ كُلِّمَ بِهِ ٱلْمَوْتَىٰ} [الرعد: 31] موتى القلوب أي: أن لتلاوة القرآن عليهم وإن كانت هذه التأثيرات والخاصيات ويريد الله فتنتهم، كفروا بالرحمن، ولم يؤمنوا به {بَل للَّهِ ٱلأَمْرُ جَمِيعاً} [الرعد: 31] جبال النفوس {أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ ٱلأَرْضُ} [الرعد: 31] في الهداية والضلالة {أَفَلَمْ يَيْأَسِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} [الرعد: 31] بهداية الله عن إيمان من خذله الله، وقد علموا {أَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعاً} [الرعد: 31] كما هداهم {وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ} [الرعد: 31] من الأحكام الأزلية تقرعهم في أنواع المعاملات التي تصدر منهم موجبة للشقاوة {أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ} يشير به إلى أن الأحكام الأزلية تارة تصدر منهم، وتارة من مصاحبهم، فتوافقوا في أسباب الشقاوة، وتوافقوا لما أوعدهم الله من درك الشقاوة، كما قال: {حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ} [الرعد: 31] لأهل الشقاء وإلى أن يبلغه حدها.
{وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ} يشير به إلى أن من أمارات أهل الشقاء الاستهزاء بالأنبياء والأولياء {فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ} [الرعد: 32] أي: أمليت أهل الشقاء ليتدرجوا بدرجات الاستهزاء إلى أعلى مقام الشقاوة {ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ} أمسكتهم؛ لئلا ينجوا عن مقام الشقاء وهو غاية البعد {فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} [الرعد: 32] أي: عقابي لهم بعقاب الفرقة والقطيعة.