خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَٱصْفَحِ ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلَ
٨٥
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْخَلاَّقُ ٱلْعَلِيمُ
٨٦
وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي وَٱلْقُرْآنَ ٱلْعَظِيمَ
٨٧
لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ
٨٨
-الحجر

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

ثم أخبر عن الإحسان مع المحسن والإساءة مع المسيء بقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} [الحجر: 85] إلى قوله: {لِلْمُؤْمِنِينَ} [الحجر: 88].
{وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} أي: لإظهار الآيات الحق بالحق لأرباب الحق المكاشفين بصفات الحق فإنه لا شعود للسماوات والأرض وما بينهما غير الإنسان بأنها مظهر لآيات الحق، وإنما الشعود بذلك للإنسان الكامل، كما قال تعالى:
{ إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ } [آل عمران: 190] وهم الذين خلص لبّ أخلاقهم الربانية عن قشر صفاتهم الإنسانية، وفيه معنى آخر {وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ} أي: سماوات الأرواح {وَٱلأَرْضَ} أي: أرض الأشباح وما بينهما من النفوس والقلوب والأسرار والخفيات إلا بالحق ومظهره، فإن الإنسان مخصوص به من سائر المخلوقات والمكونات؛ لأنه بجميع مبانيه الظاهرة ومعانيه الباطنة مرأة لذات الحق تعالى وصفاته فهو مطهره عند التزكية والتنقية، ومطهره عند التحلية والتجلية به لشعوره بذلك، كما كان حال من صقل مرآته عن صدأ أنانيته وتجلى بشهوة هويته عند تجلي ربوبيته بالحق، فقال أنا الحق، ومن قال بعد فناء أنانيته عن بقائه بسبحانيته سبحاني ما أعظم شأني.
وفي قوله: {وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَةٌ} [الحجر: 85] إشارة إلى أن قيامة العشق لآتية لنفوس الطالبين العارفين من أصحاب الرياضات في مكابدة النفس ومجاهدتها؛ لأن الطلب والصدق والاجتهاد من نتائج عشق القلب، وأنه سيهتدي إلى النفس لكثرة الاجتهاد في رياضتها، فتموت عن صفاتها في قيامة العشق، ومن مات فقد قامت قيامته {فَٱصْفَحِ ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلَ} [الحجر: 85] يا أيها الطالب الصادق عن النفس المرتاضة بأن تواسيها وتدارسها، ولا تحمل عليها إصراً، ولا تحملها ما لا طاقة لها به، فإن قيامة العشق تحصل من تزكية النفس في لحظة واحدة ما لا يحصل بالمجاهدة في سنين كثيرة؛ لأن العشق جذبه الحق، وقال صلى الله عليه وسلم:
"جذبه من جذبات الحق توازي عمل الثقلين" {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْخَلاَّقُ ٱلْعَلِيمُ} [الحجر: 86] يشير بالخلاق وهو للمبالغة إلى أنه تعالى خالق لصور المخلوقات ومعانيها وحقائقها العليم بمن خلقه مستنداً لمظهرية ذاته وصفاته ومظهريته، فلما كانت السماوات والأرض وما بينهما مظهر الصفات الحق تعالى دون ذاته ولا شعور لها به، ولم تكن مظهراً لذاته وصفاته وكان الإنسان الكامل.
{وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً} [الحجر: 87] وأي سبع صفات ذاتية لله تبارك وتعالى وهي السمع والبصر والكلام والجياة والعلم والإرادة والقدرة {مِّنَ ٱلْمَثَانِي} [الحجر: 87] أي: من خصوصية المثاني وهي المظهرية والمظهرة لذاته وصفاته المختفية بالإنسان، فإن في غير الإنسان لم يوجد إلا وحداناً من المظهرية، كما شرحنا ولو كان ملكاً، ومن ها هنا يكشف سر من أسرار
{ وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا } [البقرة: 31] فمنها أسماء صفات الله وذاته؛ لأن آدم كان مظهرها، وكان الملك مظهر بعض صفاته تعالى ولم يكن مظهرها، ولهذا قال تعالى: { ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ٱلْمَلَٰئِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـٰؤُلاۤءِ إِن كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ } [البقرة: 31] فلما لم يكونوا مظهرها وكانوا مظهر بعضها { قَالُواْ سُبْحَٰنَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ } [البقرة: 32] ولهذا السر أسجد الله تعالى الملائكة لآدم عليه السلام فاعلم جدّاً.
ثم قال: {وَٱلْقُرْآنَ ٱلْعَظِيمَ} [الحجر: 87] أي: حقائقه القائم بذاته تعالى وخلق من أخلاقه القديمة بأن جعل القرآن العظيم خُلُقَهُ العظيم كما قال تعالى:
{ وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ } [القلم: 4] ولما سُئِلَت عائشة - رضي الله عنها - عن خلق النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: كان خلقه القرآن، وفي قوله: {لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ} [الحجر: 88] إشارة إلى أن الله تعالى إذا أتعم على عبده ونبيه صلى الله عليه وسلم بهذه المقامات الكريمة والنعم العظيمة يكون من نتائجها ألا يمدن عينيه عين الجسماني ولا عين الروحاني إلى ما متع الله به أزواجاً من الدنيا والآخرة {مِّنْهُمْ} أي: من أهلها {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} [الحجر: 88] أي: على ما فاته من مشاركتهما فيهما كما كان حاله صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج { إِذْ يَغْشَىٰ ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ } [النجم: 16] من نعيم الدارين { مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ } [النجم: 17] برؤيتها { وَمَا طَغَىٰ } [النجم: 17] بالميل إليها.
ثم قال: {وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الحجر: 88] في هذا المقام قياماً بأداء شكر نعم الله تعالى وتواضعاً له ليزيدك بهما في النعمة والرفعة، وفيه إشارة إلى معنى آخر أي: واخفض بعد وصولك إلى مقام المحبوبية جناحك لمن اتبعك من المؤمنين المحبين لتبلغهم على جناح همتك العالية إلى مقام المحبوبية يدل على هذا التأويل قوله:
{ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ } [آل عمران: 31].