خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَٱلَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ
١٠٠
وَإِذَا بَدَّلْنَآ آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوۤاْ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ
١٠١
قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ ٱلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ لِيُثَبِّتَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ
١٠٢
وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ
١٠٣
إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ لاَ يَهْدِيهِمُ ٱللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
١٠٤
-النحل

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

{إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ} [النحل: 100] أي: يتولون بوسواسه وإغوائه؛ لأنها على وفق طبعهم وهو لعنهم {وَٱلَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ} [النحل: 100] أي: بما يوافق طبعهم وهواهم يقبلون إضلاله ويشركون.
ثم أخبر أن من تأثير الإغواء ألا ينسبوه إلى الافتراء بقوله تعالى: {وَإِذَا بَدَّلْنَآ آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ} [النحل: 101] إشارة إلى أن الله هو الطيب والقرآن هو الدواء يعالج به مرض القلوب، كقوله تعالى:
{ وَشِفَآءٌ لِّمَا فِي ٱلصُّدُورِ } [يونس: 57] كما أن الطبيب يداوي المريض كل وقت بنوع من الأدوية على حسب المزاج والعلة لإزالتها ويبدل الأشربة والمعادن بنوع آخر وهو أعلم بالمعالجة من غيره، فكذلك الله عز وجل يعالج قلوب العباد بتبديل آية وإنزال آية مكانها {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ} [النحل: 101] ويعالج به العبد، فالذين لا يعلمون قوانين الأمراض والمعالجات {قَالُوۤاْ} [النحل: 101] لمحمد {إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ} [النحل: 101] أنت تبدل الآيات من تلقاء نفسك وأنت مفتر {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [النحل: 101] حكمة التبديل وما فيه من المصالح.
ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يجيبهم ويلزمهم بقوله: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ ٱلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ} [النحل: 102] أي: معالجة منه {بِٱلْحَقِّ} [النحل: 102] أي: هو محق بهذه المعالجة {لِيُثَبِّتَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [النحل: 102] أي: يثبت الإيمان في قلوب المؤمنون بإزالة أمراض الشكوك عن قلوبهم من نور القرآن فإنه شفاء {وَهُدًى} [النحل: 102] لصحة الدين وسلامة القلوب {وَبُشْرَىٰ} [النحل: 102] بشارة {لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 102] الذين استسلموا للطبيب، والمعالجة بصحته له منهم.
ثم يشير بقوله: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ} [النحل: 103] أي: أن طب القلوب ومعالجتها ليس من شأن البشر بنظر العقل؛ لأن الطب معنى على معرفة الأمراض والعلل وكيفيتها وكميتها، ومعرفة إزالتها بالأدوية ومعرفة الأدوية وخواصها، وكيفية استعمالها ومعرفة الأمزجة واختلاف أحوالها، وإن القلوب بيد لله هو يعلم داءها ودواءها، والتفاوت في أمزجتها، وكيفية معالجتها، ويضيق عن ذلك نطوق عقول البشر بحيث لا يطلع على قوانين معارفها ملك مقرب ولا نبي مرسل؛ فلهذا كان يقول إبراهيم عليه السلام:
{ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ } [الشعراء: 80] لا تطلع على قوته { يَشْفِينِ } [الشعراء: 80] يعني: لا اطلاع لي على المعالجة إلا أن يعلمني الله كيفية المعالجة، فلما علَّم الله النبي صلى الله عليه وسلم بإنزال القرآن هذه المعالجة وكيفيتها من علته بقوله: { وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً } [النساء: 113] ومع هذا كان يقول: "نحن نحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر" ويقول: "إن القلوب بيد الله يقلبها كيف يشاء".
وفي قوله تعالى: {لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ} [النحل: 103] إنه يعلمك القرآن {أَعْجَمِيٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ} [النحل: 103] إشارة إلى أن الأعجمي هو الذي لا يفهم من كلام الله ما أودع الله فيه من الأسرار والإشارات والمعاني والحقائق، فإنه لا يحصل ذلك إلا لمن رزقه الله فهماً يفهم به اللسان العربي المبين هو الذي يسَّره الله تعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم وبيَّن له معانيه، كما قال تعالى:
{ فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ } [مريم: 97] وقال: { فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَٱتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ } [القيامة: 18-19] فالعربي المبين هو الذي أعطاه الله قلباً فهيماً ولساناً مبيناً، فافهم جدّاً.
ثم قال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} [النحل: 104] وهي ما أودع الله في القرآن من المعاني والحقائق التي تتعلق بمواهب الله وبه صار القرآن معجزاً فمن لم يؤمن {لاَ يَهْدِيهِمُ ٱللَّهُ} [النحل: 104] إلى فهم القرآن {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النحل: 104] إذ لم يهتدوا إلى الإيمان بدفعهم ما فيه.