خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ
١٨
وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ
١٩
وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ
٢٠
أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ
٢١
إِلٰهُكُمْ إِلٰهٌ وَاحِدٌ فَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ
٢٢
لاَ جَرَمَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْتَكْبِرِينَ
٢٣
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَّاذَآ أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ
٢٤
لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ
٢٥
قَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِّنَ ٱلْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ
٢٦
ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ إِنَّ ٱلْخِزْيَ ٱلْيَوْمَ وَٱلْسُّوۤءَ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ
٢٧
ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُاْ ٱلسَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوۤءٍ بَلَىٰ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
٢٨
فَٱدْخُلُوۤاْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ
٢٩
-النحل

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

ثم أخبر عن غاية هذه النعم أنها بلا نهاية بقوله تعالى: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ} [النحل: 18] إلى قوله: {فَلَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ} [النحل: 29].
{وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ} [النحل: 18] إشارة إلى أن النعمة نعمتين: إعطاف إعطائه ونعمة ألطافه، فنعمة إعطاف إعطائه ما يتعلق بوجود النعمة وهو على ضربتين: نعمة ظاهرة، ونعمة باطنة، ونعمة ألطافه ما يتعلق بوجود المنع وهو على ضربتين: نعمة ذات بالألوهية، ونعمة صفات بالربوبية، وهي بلا نهاية فلا تعد ولا تحصى، وقال ابن عطاء: إن لك نفساً وقلباً وروحاً وعقلاً ومحبة وديناً ودنيا وطاعةً ومعصيةً وابتداءً وانتهاءً وحيناً وأصلاً وفصلاً
فنعمة النفس: الطاعات والإحسان والنفس فيهما تتقلب.
ونعمة الروح: الخوف والرجاء وهو فيهما يتقلب.
ونعمة القلب: اليقين والإيمان وهو فيهما يتقلب.
ونعمة العقل: الحكمة والبيان وهو فيهما يتقلب.
ونعمة المعرفة: الذكر والقرآن وهو فيهما يتقلب.
ونعمة المحبة: الألفة والمواصلة والأمن من الهجران وهو فيهما يتقلب، وهذا تفسير قوله: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌ} [النحل: 18] لمن عجز عن شكر نعمه وجوده {رَّحِيمٌ} [النحل: 18] لمن عجز عن شكر نعمة وجوده.
{وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ } [النحل: 19] من أداء شكر نعمه بالقلوب {وَمَا تُعْلِنُونَ} [النحل: 19] من القيام بشكر نعمه بالأجساد {وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} [النحل: 20] من الهوى والدنيا {لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً} [النحل: 20] من قضاء الحوائج {وَهُمْ يُخْلَقُونَ} [النحل: 20] يعني: الهوى والدنيا وما تعبدون من دون الله {أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} [النحل: 22] أي: الذي خلقكم وخلق ما يعبد من دون الله {إِلٰهُكُمْ} [النحل: 22] أي: الذي خلقكم وخلق ما يعبد من دون الله {إِلٰهٌ وَاحِدٌ فَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ} [النحل: 22] وهي ما في الغيب وهم مستكبرون {قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ} [النحل: 22] لا يعرفون الله؛ لأنهم أهل الحس الحيواني لا يؤمنون بها في الغيب فينكرون غيب الغيب {وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ} [النحل: 22] على أهل الحق عند إظهار الحق والله الحق {لاَ جَرَمَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ} [النحل: 23] من الإنكار للحق {وَمَا يُعْلِنُونَ} [النحل: 23] من الاستكبار عند قبول الحق: {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْتَكْبِرِينَ} [النحل: 23] فيوقعهم بالخذلان في الطغيان.
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ} [النحل: 24] أي: للمستكبرين {مَّاذَآ أَنْزَلَ رَبُّكُمْ} [النحل: 24] على قلوب المتواضعين لله من حقائق الأنوار وكشف الأسرار {قَالُواْ} [النحل: 24] يعني: المستكبرين الذين لهم قلوب منكرة {أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} [النحل: 24] يعني: يعدون درر أنفاس أهل الحقيقة من جملة الأباطيل والمناكير، ويضلون الضعفاء في الدين بهذه المنكرات وتقديره المحالات {لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ} [النحل: 25] من حجب الإنكار والاستكبار {كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} [النحل: 25] عند ابتلاء السرائر بإفشاء ما في الضمائر {وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ} [النحل: 25] من حجب الإنكار والاستكبار، أي: من حجب إضلالهم إياهم وحجب ضلالتهم بإضلالهم {بِغَيْرِ عِلْمٍ} [النحل: 25] بل يمحص الجهل {أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ} [النحل: 25] يحملون من أنواع الحجب {قَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَانَهُمْ} [النحل: 26] أي: الذين بنوا بالمكر {مِّنَ ٱلْقَوَاعِدِ} [النحل: 26] أي: خرب بنيان مكرهم من أصوله {فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ} [النحل: 26] وقع سقف مكرهم عليهم فأهلكهم {وَأَتَاهُمُ ٱلْعَذَابُ} [النحل: 26] أي: عذاب مكرهم {مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ} [النحل: 26] يعني: أهلك الله أرواحهم بعذاب مكرهم بجهلهم حيث لا شعور لأجسادهم به.
{ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} [النحل: 27] وهو العرض الأكبر {يُخْزِيهِمْ} [النحل: 27] بإظهار عذاب الأرواح على الأجساد {وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ} [النحل: 27] من الهوى والدنيا وغيرها {ٱلَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ} [النحل: 27] ليدفعوا عنكم العذاب الخزي {قَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ} [النحل: 27] من الأنبياء والأولياء {إِنَّ ٱلْخِزْيَ ٱلْيَوْمَ وَٱلْسُّوۤءَ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ * ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} [النحل: 27-28] بالإنكار والاستكبار {فَأَلْقَوُاْ ٱلسَّلَمَ} [النحل: 28] استسلموا في الآخرة وقالوا: {مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوۤءٍ} [النحل: 28] يريدون أن يبرءوا أنفسهم مما عملوا في الدنيا فتقول لهم الملائكة {بَلَىٰ} [النحل: 28] في الدنيا ما ألذ مكر الخزي والعذاب {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل: 28] في الدنيا وبما يقولون اليوم دفعاً للعذاب {فَٱدْخُلُوۤاْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ} [النحل: 29] لا من باب واحد؛ لأن لأهل كل عمل من أنواع المعاصي والكفر والنفاق باباً يدخل بذلك العمل فيه وأنتم عملتم من أنواع المعاصي ما استحققتم دخول الأبواب كلها {خَالِدِينَ فِيهَا } [النحل: 29] لأنكم أهل التكبر وجزاء المتكبر الخلود {فَلَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ} [النحل: 29] المستوجبين لنار القطيعة أبداً.