خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً
٧٠
يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ يَقْرَؤونَ كِتَابَهُمْ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً
٧١
وَمَن كَانَ فِي هَـٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلاً
٧٢
وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً
٧٣
وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً
٧٤
إِذاً لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ ٱلْحَيَاةِ وَضِعْفَ ٱلْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً
٧٥
-الإسراء

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

ثم أخبر عن بني آدم وحاله من الكرامة وما عليه من الغرامة بقوله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ} [الإسراء: 70] أي خصصناهم بكرامة تخرجهم عن حيز الإشراك وهي على ضربين: جسدانية، وروحانية.
فالكرامة الجسدانية: عامة يستوي فيها المؤمن والكافر وهي تخمير طينته بيده أربعين صباحاً، وتصويره في الرحم بنفسه، وأنه تعالى صوره فأحسن صورته وسواه فعدله في أي: صورة ما شاء ركبه، ومشاه سوياً على صراط مستقيم القامة آخذاً بيديه آكلاً بأصابعه مزيناً باللحى والذوائب صانعاً بأنواع الحرف.
والكرامة الروحانية: على ضربين: عامة، وخاصة.
فالعامة: أيضاً يستوي فيها المؤمن والكافر وهي أن كرمه بنفخه فيه من روحه وعلمه الأسماء كلها، وكلمه قبل أن خلقه بقوله:
{ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ } [الأعراف: 172] فأسمعه خطابه وأنطقه بجوابه بقوله: { قَالُواْ بَلَىٰ } [الأعراف: 172] وعاهده على العبودية، وأولده على الفطرة، وأرسل إليه الرسل وأنزل عليه الكتب ودعاه إلى الحضرة، ووعده الجنة وخوَّفه النار، وأظهر له الآيات والدلالات والمعجزات.
والكرامة الروحانية الخاصة: كما كرم به أنبياءه وأولياءه وعباده المؤمنين من النبوة والرسالة والولاية والإيمان للإسلام والهداية إلى الصراط المستقيم، وهو صراط الله والسير إلى الله وفي الله وبالله عند العبور على المقامات والترقي من الناسوتية بجذبات اللاهوتية، والتخلق بأخلاق الإلهية عند فناء الأنانية وبقاء الهوية.
كما قال تعالى: {وَحَمَلْنَاهُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ} [الإسراء: 70] أي: عبرنا بهم عن بر الجسمانية وبحر الروحانية إلى ساحل الربانية {وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ} [الإسراء: 70] وهي المواهب التي طيبها من الحدوث فيطع بها من يبيت عنده ويسقيه بها، وهي طعام المشاهدات وشراب المكاشفات التي لم يذق منها الملائكة المقربون، أطعم بها أخص عباده في أواني المعرفة، وسقاهم بها في كاسات المحبة أفردهم بها عن العالمين؛ ولهذا أسجد لهم الملائكة المقربين.
وقال تعالى: {وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} [الإسراء: 70] يعني: على الملائكة؛ لأنهم الخلق الكثير من خلق الله تعالى، وفضل الإنسان الكامل على الملك بأنه خلقه في أحسن تقويم وهو حسن استعداده في قبول فيض نور الله بلا واسطة، وقد تفرد به الإنسان عن سائر المخلوقات.
كما قال تعالى:
{ إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ } [الأحزاب: 72] أي: على أهلها { فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ } [الأحزاب: 72] الأمانة هي نور الله كما صرح به في قوله: { ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ } [النور: 35] إلى أن قال: { نُورٍ يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ } [النور: 35] فافهم جدّاً واغتنم فإن هذا البيان أعز من الكبريت الأحمر وأغرب من عنقاء مغرب.
ثم أخبر عن المقبولين منهم والمردودين بقوله تعالى: {يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ} [الإسراء: 71] يشير إلى ما يتبعه كل قوم وهو إمامهم، فقوم: يتبعون الدنيا وزينتها وشهواتها فيدعون يا أهل الدنيا، وقوم: يتبعون الآخرة ونعيمها ودرجاتها فيدعون: "يا أهل الآخرة"، وقوم: يتبعون الرسول صلى الله عليه وسلم محبة لله وطلباً لقربته ومعرفته فيدعون: "يا أهل الله" {فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ} [الإسراء: 71] فهو أهل السعادة من أصحاب اليمين فيه إشارة إلى أن السابقين الذين هم أهل الله لا يؤتون كتابهم كما لا يحاسبون حسابهم.
ثم قال: {فَأُوْلَـٰئِكَ يَقْرَؤونَ كِتَابَهُمْ} [الإسراء: 71] لأنهم أصحاب البصيرة والقرآن والدراية {وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً} [الإسراء: 71] في جزاء أعمالهم الصالحة فيه إشارة إلى أن أهل الشقاوة الذين هم أصحاب الشمال لا يقرءون كتابهم؛ لأنهم أصحاب العمى والجهالة {وَمَن كَانَ فِي هَـٰذِهِ} [الإسراء: 72] أي: في هذه القراءة والدراية بالبصيرة {أَعْمَىٰ} [الإسراء: 72] في الدنيا لقوله:
{ فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ } [الحج: 46] {فَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ أَعْمَىٰ} [الإسراء: 72] لأنها { يَوْمَ تُبْلَىٰ ٱلسَّرَآئِرُ } [الطارق: 9] فيجعل الوجوه من السرائر فمن كان في سريره أعمى هاهنا يكون في صورته أعمى للمبالغة؛ لأن عمل السريرة هاهنا كان قابلاً للتدارك.
وقد خرج ثمة الأمر من التدارك فيكون الأعمى عن رؤية الحق {وَأَضَلُّ سَبِيلاً} [الإسراء: 72] في الوصول إليه لفساد الاستعداد وإعواز التدارك.
ثم قال: {وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ} [الإسراء: 73] أي: من عمى قلوبهم كادوا ليسترونك {عَنِ ٱلَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ} [الإسراء: 73] بالتغيير والتبديل {لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ} [الإسراء: 73] أي: وفق طباعهم في الضلالة وميلان نفوسهم إلى الدنيا وهي الضلالة عن الهدى {وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً} [الإسراء: 73] إذ وافقتهم في الضلالة {وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ} [الإسراء: 74] بالقول الثابت وهو قول: لا إله إلا الله إلى أن بلغناك مقام معرفة حقيقة لا إله إلا الله بقولنا:
{ فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ } [محمد: 19] وطهرنا قلبك من لوث صفات البشرية {لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ} بها إن لم يطهرك عنها بقولنا: { وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ } [محمد: 19] {شَيْئاً قَلِيلاً} وإنما سماه قليلاً؛ لأن روحانية النبي صلى الله عليه وسلم كانت في أصل الخلقة غالبة على بشريته مؤيدة بتأييد: "أول ما خلق الله روحي" إذ لم يكن مع روحه {شَيْئاً قَلِيلاً} ما يحجبه عن الله فشرفه بتشريف "كنت نبيّاً وآدم بين الماء والطين" فمعنى الكلام: لولا التثبيت وقوة النبوة ونور الهداية وأثر نظر العناية، لكنت تركن إلى أهل الأهواء بهوى النفسانية بمنافع الإنسانية قدراً يسيراً لغلبة الروحانية وخمود نار البشرية.
ثم قال: {إِذاً لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ ٱلْحَيَاةِ وَضِعْفَ ٱلْمَمَاتِ} [الإسراء: 75] يعني: بشؤم ميل نفسك إلى الباطل ورغبتها عن الخلق نحي نفسك، وأذقناك عذاب حياتها واستيلائها وغلبتها على روحك ونميت قلبك، وأذقناك عذاب مماته وضعف روحك وعجزه وبعده عن الحق {ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً} [الإسراء: 75] يمنع عذابنا منك.