خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ٱلَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً ٱلْعَاكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ
٢٥
وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلْقَآئِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ
٢٦
وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ
٢٧
لِّيَشْهَدُواْ مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ فِيۤ أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مِّن بَهِيمَةِ ٱلأَنْعَامِ فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ ٱلْبَآئِسَ ٱلْفَقِيرَ
٢٨
ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُواْ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ
٢٩
-الحج

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

ثم أخبر عن أحوال النفوس المتمردة والأرواح المرتدة بقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} [الحج: 25] يشير إلى منكري هذا الشأن، فإنهم مع إنكارهم وإعراضهم عن الحق يصدون الطالبين عن طريق الله بالإنكار والاعتراضات الفاسدة على المشايخ، ويقطعون الطريق على أهل الطلب؛ ليردوهم على طلب الحق تعالى، وعن دخول مسجد حرام القلب، فإنه حرم الله تعالى.
{ٱلَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ} [الحج: 25] أي: جعلناه لهم بالاهتداء وطلب الحق لا عليهم، كالنفس الأمارة بالإضلال، والإعراض عن الحق سواء {ٱلْعَاكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ} [الحج: 25] أي: يستوي في الوصول إلى مقام الطلب الذي سبق إليه بمدة طويلة، والذي يصل إليه في الحال ليس لأحد فضل على الآخرة إلا بالسبق إلى مقام القلب ومنازله.
وبقوله تعالى: {وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الحج: 25] يشير إلى أن من يريد في القلب ميلاً عن الحق بظلم بوضع الشيء في غيره موضعه؛ لأن القلب معدن محبة الله تعالى يذيقه الله تعالى عذاب البعد، والقطيعة عن الحضرة {وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ} [الحج: 26]، الروح {مَكَانَ ٱلْبَيْتِ} [الحج: 26] القلب، فإن تهيؤ القلوب بتدبير الأرواح وتقدير الحق تعالى {أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً} [الحج: 26] في سكنى القلب أي: حارساً للقلب لئلا يسكن فيه غيري {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ} [الحج: 26] أي: أفرغ القلب عن الأشياء سواي، وهذا كمال قال تعالى بالوحي إلى بعض أنبيائه: أفرغ لي بيتاً أسكنه، فقال: إلهي أي بيت يسعك؟ فأوحى الله إليه: ذلك قلب عبدي المؤمن، ويقال: طهر بيتي بإخراج كل نصيب لك في الدنيا والآخرة من تطلع إكرام، وتطلب إنعام أو إرادة مقام، ويقال: طهر قلبك {لِلطَّآئِفِينَ} [الحج: 26] فيها من واردات الحق وموارد الأحوال على ما يختاره الحق {ٱلْقَآئِمِينَ} [الحج: 26] وهي الأشياء المقيمة من مستوطنات العرفان، والأمور المغيبة عن البرهان، والمطلقة بما هي حقائق البيان {وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ} [الحج: 26] هي أركان الأحوال المتوالية من: الرهبة والرغبة والرجاء والمخافة والفيض والبسطة والإنس والهيبة، وفي معناه أنشد:

لستُ من جملةِ المحبين إن لم أجعل القلبَ بيتَه والمَقاما
وطوافي أخالُهُ السيرَ فيه وهو رُكني إذا أردتُ استلاما

{وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً} [الحج: 27] أي: وناد في الناسين من النفس وصفاتها والقالب وجوارحه؛ يعني: يقصدون القلب بالأعمال الشريعة البدنية، فإنهم كالكوكبات، لأن الأعمال البدنية مركبة من الحركات ونيات الضمير، كما أن أعمال النفس مفردة أنها من نيات الضمير فحسب {يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ} [الحج: 27] وهو سفل الدنيا؛ لأن القالب من الدنيا وأكثر استعماله في مصالح الدنيا بالجوارح والأعضاء، فردَّها إلى استعمالها في مصالح الدنيا بالجوارح والأعضاء، فردَّها إلى استعمالها في مصالح القلب إتيانها من فج عميق.
{لِّيَشْهَدُواْ مَنَافِعَ لَهُمْ} [الحج: 28] أي: ليحضروا وينتفعوا بالمنافع التي هي مستكنة في القلب؛ فأمَّا النفس وصفاتها: فمنافعها تبديل الأخلاق، وأمَّا القالب وجوارحه: فمنافعهم قبول طاعتهم وأثارها على سيماهم {وَيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ} [الحج: 28] أي: القلب والنفس والقالب شكر {عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مِّن بَهِيمَةِ ٱلأَنْعَامِ} [الحج: 28] بأن جعل الصفات البهيمية الحيوانية مبدلَّة بالصفات القلبية الروحانية الربانية.
وبقوله تعالى: {فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ ٱلْبَآئِسَ ٱلْفَقِيرَ} [الحج: 28] يشير إلى أن انتفعوا من هذه المقامات والكرامات، واطيبوا بمنافعها الطالب المحتاج، والقاصد إلى الله تعالى بالخدمة والهداية والإرشاد {ثُمَّ لْيَقْضُواْ} الطلاب {تَفَثَهُمْ} [الحج: 29] وهو ما يجب عليهم من شرائط الإرادة وقصد الطالب {وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ} [الحج: 29] فيما عاهدوا الله على التوجه إليه، وصدق الطلب والإرادة {وَلْيَطَّوَّفُواْ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ} [الحج: 29] أي: يطوفوا حول قرب الله تعالى بقلبه وسره، ولا يطوفوا حول ما سواه، وأراد بالعتيق القديم وهو من صفات الله عز وجل.