خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ
١٣
ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ
١٤
ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ لَمَيِّتُونَ
١٥
ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ
١٦
وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَآئِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلْخَلْقِ غَافِلِينَ
١٧
وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّٰهُ فِي ٱلأَرْضِ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَٰدِرُونَ
١٨
فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَّكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ
١٩
وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلآكِلِيِنَ
٢٠
وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فيِهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ
٢١
وَعَلَيْهَا وَعَلَى ٱلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ
٢٢
-المؤمنون

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

ثم قال الله تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ} [المؤمنون: 13] أي: قطرة أجزاءها متماثلة ونطفة أبعاضها متشاكلة، ثم بإظهار القدرة تصرف في النطفة فجعلها علقة فقال: {ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَامَ لَحْماً} [المؤمنون: 14] يشير إلى أن لكل خلقة رتبة في النطفة خاصية وطبيعة أخرى، وجعل بعضها لحماً وعظماً، وبعضها شعراً، وبعضها ظفراً، وبعضها عصباً، وبعضها جلداً، وبعضها مخاً، وبعضها أمعاء، ثم خص كل عضو بهيئة مخصوصة، وكل جزء بكيفية معلومة، ثم الصفات التي للإنسان خلقها متفاوتة من السمع والبصر والنطق والفكر والغضب والقدرة والعلم والإرادة والشجاعة والحسد والحرص والجود، والأوصاف الكثيرة التي يتقاصر عنها الحصر والعد، فتدل هذه الأحوال المختلفة صورة ومعنى.
{ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ} [المؤمنون: 14] بنفخ الروح فيه يعني خلقاً غير المخلوقات التي خلقها قبله، وهو أحسنهم تقويماً وأكملهم استعداداً وأجلهم كرامة وأعلاهم رتبة وأدناهم قربة وأخصهم فضيلة؛ فلهذا أثنى على نفسه عند خلقه بقوله تعالى: {فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ} [المؤمنون: 14] يعني: لأنه خلق أحسن المخلوقين فيما جعلهم معدن العرفان وموضوع المحبة ومتعلق العناية، فإنه لما خلق السماوات والأرضين والعرش والكرسي مع المخلوقات من الجنة ومتعلق العناية، فإنه لما خلق السماوات والأرضين والعرش والكرسي مع المخلوقات من الجنة ومتعلق العناية، فإنه من الجنة والنار لم يعقبهما بهذا التمدح الذي ذكر بعد نعت خلقه بني آدم تخصيصاً لهم من بين المخلوقات {ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ لَمَيِّتُونَ} [المؤمنون: 15] يشير إلى أن الإنسان بعد بلوغه إلى الرتبة الإنسانية قابل للموت مثل موت القلب وموت النفس، وقابل لحشرهما وفي موت القلب حياة النفس وحشرها مودعة، وفي موت النفس حياة القلب وحشره مودع، وحياة النفس بالهوى وظلمته، وحياة القلب بالله ونوره، كما قال الله تعالى:
{ أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي ٱلنَّاسِ } [الأنعام: 122] وهذا معنى حقيقة قوله تعالى: {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ} [المؤمنون: 16].
وبقوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَآئِقَ} [المؤمنون: 17] يشير إلى أن أطباق السماوات كما هي حجب تحول بين أبصارنا وبين المنازل العالية من العرش الكريم، كذلك أطوار القلب سبعة هي أغشيتها وحُجبها، كالغضب والشهوة والإرادات الشاغلة، والغفلات المتراكمة.
أما المريدون: فإذن أظلم سحاب الفطرة سكن هيجان إرادتهم، فذلك من الطريق التي عليهم.
وأما الزاهدون: فإذا تحركت عروق الرغبة اهتزت قوة زهدهم وضعف دعائم صبرهم، فيترخصون بالجنوح إلى بعض التأويلات فتعود فتراهم قليلاً قليلاً وتختل رتبة عرفهم وتتهدم دعائم قصدهم، فبداية ذلك من الطريق التي خلق فوقهم.
وأما العارفون: فريثما يظلهم في بعض أي: بينهم وقفة في تصاعد سرهم إلى ساحات الحقائق فيصيرون موقونين وربما يتفضل الحق سبحانه عليهم بكفاية ذلك فيجدون نفاذاً أو يرفع عنهم ما عاقبهم في الطريق، وفي جميع هذا فالحق سبحانه غير تارك للعبد ولا عن الخلق.
كما قال الله تعالى: {وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلْخَلْقِ غَافِلِينَ} [المؤمنون: 17] فلمصالح المقبولين وجبر خللهم {مِنَ ٱلسَّمَآءِ} [المؤمنون: 18] سماء العناية {مَآءً} الرحمة {بِقَدَرٍ} [المؤمنون: 18] أي: بحسب حاله كل واحد منهم {فَأَسْكَنَّٰهُ فِي ٱلأَرْضِ} [المؤمنون: 18] أي: في أرض وجودهم، ثم أخرجنا منها ينابيع الحكمة بتأثير نظر العناية {وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَٰدِرُونَ} [المؤمنون: 18] بالإعراض عنهم، كما أنزلنا من السماء ماء المطر الذي هو سبب حياة الأرضين كذلك من سماء العناية وماء الرحمة فيحيي به القلوب، ويزيل به درن العصاة وآثار ذلتهم، وينبت في أرض قلوبهم فنون أزهار البسط وصنوف الروح.
وبقوله تعالى: {فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَّكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} [المؤمنون: 19] يشير إلى أن كما ينشئ الفياض بماء السماء ويثمر الأشجار ويجري الأنهار، فكذلك بماء سماء العناية ينشئ بماء سماء العناية ينشئ شجرة العرفان ويؤتي أكلها من الكشف والعيان ما تتقاصر العبارات عن شرحه ولا تطمع الإشارات في حصره.
{وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ} [المؤمنون: 20] وهي شجرة الحق الذي يخرج من طور سيناء الروح بتأثير تجلي أنوار الصفات {تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ} [المؤمنون: 20] وهو حسن الاستعداد لقبول الفيض الإلهي بلا واسطة، ومقر هذا الدُّهن هو الخفي الذي فوق الروح وهو سر بين الله وبين الروح لا تطلع عليه الملائكة المقربون {وَصِبْغٍ لِّلآكِلِيِنَ} [المؤمنون: 20] أي: وهو إدام لآكلي الكونين بقوة الهمة.
ثم أخبر عن عبرة الخواص والعوام في خلق الأنعام بقوله تعالى: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهَا} [المؤمنون: 21] يشير إلى أنه كما يخرج من بطون الأنعام من بين فرث ودم لبناً خالصاً، وفيه عبرة لأولي الأبصار فكذلك من بين فرث الصفات النفسانية وبين دم الصفات الشيطانية لبناً خالصاً من التوحيد والمحبة؛ ليسقي به أرواح الصديقين كما قال بعضهم:

سقاني شربةً أحيا فؤادي بكأس الحبِّ من بحرِ الودادِ

وفيها عبرة لأولي الأبصار {وَلَكُمْ فيِهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ} [المؤمنون: 21] من الأخلاق الكريمة الربانية والمعارف العظيمة الرحمانية والشواهد الحقانية العيانية {وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} حين تبيتون عند ربكم {وَعَلَيْهَا} [المؤمنون: 22] أي: على النفوس الحيوانية {وَعَلَى ٱلْفُلْكِ} أي: فلك القلوب لروحانية {تُحْمَلُونَ} في بحر الصفات الربانية.