خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ ٱلصَّالِحِينَ
١٩
وَتَفَقَّدَ ٱلطَّيْرَ فَقَالَ مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ
٢٠
لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَاْذبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ
٢١
فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ
٢٢
-النمل

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

فلما سمع كلام نملة النفس تعجب منها {فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ} [النمل: 19] بتسخير جنودي لي {وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ} [النمل: 19] وهما الروح والجسد فأنعمت على والدي الروح بإفاضة الفيض الرباني، وعلى والتي الجسد باستعماله في أركان الشريعة {وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي} [النمل: 19] بجذبات ألطافك {فِي عِبَادِكَ ٱلصَّالِحِينَ} [النمل: 19] في مقام العبودية المختصة بالأنبياء والمرسلين والأولياء المتقين، كما أدخلت نفوسهم عنايتك في مقام العبودية المضافة إلى حضرتك بقولك { فَٱدْخُلِي فِي عِبَادِي * وَٱدْخُلِي جَنَّتِي } [الفجر: 29-30].
ثم أخبر عن تفقد أهل التعبد بقوله تعالى: {وَتَفَقَّدَ ٱلطَّيْرَ} [النمل: 20] والإشارة في تحقيق الآيات بقوله {وَتَفَقَّدَ ٱلطَّيْرَ فَقَالَ مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ} [النمل: 20] يشير إلى أن الواجب على الملوك التيقظ في مملكتهم وحسن قيامهم وتكلفهم بأمور رعاياهم تفقد أصغر رعيتهم، كما يتفقدون عن أكبرها بحيث لم يخف عليهم غيبة الأصاغر والأكابر منهم، كما أن سليمان عليه السلام تفقد حال أًغر طير من الطيور، ولم يخف عليه غيبته ساعة، ثم من غاية شفقة على الرغبة أحال النفس والتقسير إلى نفسه فقال: {مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ} [النمل: 20] وما قال ما للهدهد لم أره ولرعاية مصالح الرعاية وتأديبهم قال: {أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ} [النمل: 20] يعني: من الذين غابوا عني بلا إذني.
ثم هدده إن لم يكن له عذر لغيبته فقال: {لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً} [النمل: 21] بالطرد عن الحضرة والإسقاط عن عين الرضا والقبول {أَوْ لأَاْذبَحَنَّهُ} [النمل: 21] في شدة العذاب، {أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} [النمل: 21] به يشير إلى أن حفظ المملكة يكون بكمال السياسة وكمال العمل، فلا يتجاوز عنه جرم المجرمين ويقبل عنهم العذر الواضح بعد البحث عنه، ويشير إلى أن الطير في زمانه كانت من جملة التكليف ولها وللمسخرين لسليمان عليه السلام من الحيوان والجن والشياطين تكاليف تناسب أحوالهم، ولهم فهم وإدراك كأحوال الإنسان في قبول الأوامر والنواهي معجزة لسليمان.
وبقوله: {فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ} [النمل: 22] يشير إلى أن الغيبة، وإن كانت موجبة للعذاب الشديد وهو الحرمان عن سعادة الحضور ومنافه، ولكن من أمارات السعادة سرعة الرجوع وتدارك الفائت وبقوله {فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ} [النمل: 22] خبر إلى سعة لي وسعة كريم الله ورحمة بأن بختص طائراً بعلم نبي مرسل، وهذى لا يقدح في حال النبي صلى الله عليه وسلم والرسل بأن لا يعلم علماً غير نافع في النبوة فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستعيذ بالله منه فيقول:
"أعوذ بك من علم لا ينفع" .
وبقوله: {وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} [النمل: 22] يشير إلى من شرط الخبر ألا يخبر عن شيء إلا أن يكون مستيقناً فيه لا سيما عند الملوك.