خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بِٱلتَّوْرَاةِ فَٱتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
٩٣
فَمَنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ
٩٤
قُلْ صَدَقَ ٱللَّهُ فَٱتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ
٩٥
إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ
٩٦
فِيهِ ءَايَٰتٌ بَيِّنَـٰتٌ مَّقَامُ إِبْرَٰهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَٰلَمِينَ
٩٧
قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ
٩٨
قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَدَآءُ وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
٩٩
-آل عمران

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

ثم أخبر عما كان حلالاً من بني إسرائيل وميزه من الحرام بقوله تعالى: {كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بِٱلتَّوْرَاةِ فَٱتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [آل عمران: 93]، إشارة في الآية: إن الله تعالى خلق الخلق على ثلاثة أصناف:
صنف منها: الملك الروحاني العلوي اللطيف النوراني، وجعل غذاؤهم من جنسهم الذكر وخلقهم للعبادة.
وصنف منها: الحيواني الجسماني السفلى الكثيف الظلماني، وجعل غذاؤهم من جنسهم الطعام وخلقهم للعبرة والخدمة.
وصنف منها: الإنسان المركب من الملك الروحاني والحيواني الجسماني، وجعل غذاءهم من جنسهم لروحانيتهم الذكر، ولجسمانيتهم الطعام، وخلقهم للعبادة والمعرفة والخلافة، وهم على ثلاثة أصناف:
فمنهم ظالم لنفسه: وهو الذي غلبت حيوانيته على روحانيته، فبالغ في غذاء جسمانيته وقصر في غذاء روحانيته حتى مات روحه واستولت نفسه،
{ أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ } [الأعراف: 179]، ومنهم مقتصد: وهو الذي تساوت روحانيته وحيوانيته، ومنهم سابق بالخيرات: وهو الذي غلبت روحانيته على حيوانيته فبالغ في غذاء روحانيته؛ وهو الذكر، وقصر في غذاء حيوانيته وهو الطعام حتى ماتت نفسه وأسر في قوة روحه، { أُوْلَـٰئِكَ هُمْ خَيْرُ ٱلْبَرِيَّةِ } [البينة: 7]، فكان كل الطعام حلاً كما كان حلالاً للحيوان، إلا ما حرم الإنسان السابق على نفسه؛ لموت النفس وحياة القلب واستيلاء الروح من قبل أن ينزل عليه الوحي والإلهام، كما قيل: المجاهدات تورث المشاهدات، وقال تعالى: { وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ } [العنكبوت: 69].
{فَمَنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ} [آل عمران: 94]، بأن يهتدي إلى الحق من غير جهاد النفس {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} [آل عمران: 94]، الذين يضعون الشيء في غير موضعه، وقد قال تعالى:
{ وَجَاهِدُوا فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ } [الحج: 78]، {قُلْ صَدَقَ ٱللَّهُ } [آل عمران: 95]، فيما قال: {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92]، {فَٱتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً} [آل عمران: 95]، وكان ملته إنفاق المال على الضيفان، وبذل الروح عند الامتحان وتسليم القربان، وهذه ملة الخلة، {وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} [آل عمران: 95]، من الذين يتخذون مع الله إلهاً أخراً ويجعلون الشركة في الخلة.
ثم أخبر عن أول بيت وضع للناس مأمناً لأهل الإفلاس بقوله تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ} [آل عمران: 96]، لا لله؛ فإنه لغني عن البيوت وعن العالمين، وإن كل ما خلق الله في العالم خلق نموذجاً منه في الإنسان، وإن نموذج بيت الله فيه القلب الذي هو أول بيت وضع بمكة صدر الإنسان مباركاً عليه وهدى يهدي به جميع أجزاء وجوده إلى الله بجوده، فإن النور الإلهي إذا وقع في القلب انفسح له واتسع حتى به يسمع وبه يبصر، وبه يعقل وبه ينطق، وبه يبطش وبه يمشي، وبه يتحرك وبه يسكن، {فِيهِ ءَايَٰتٌ بَيِّنَـٰتٌ} [آل عمران: 97]، دلالات واضحات يستدل بها الطالب إلى مطلوبه، والقاصد إلى مقصوده، منها: {مَّقَامُ إِبْرَٰهِيمَ} [آل عمران: 97]؛ وهي: الخلقة، وهي التي توصل الخليل إلى خليله {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} [آل عمران: 97]؛ يعني: من دخل مقام إبراهيم؛ وهي: الخلة، الهاء في قوله دخله: كناية عن المقام، ودخولها ببذل النفس والمال والولد في رحمتي خليله كان أمناً من نار القطيعة، كما كان حال إبراهيم عليه السلام مع النار، وكان عليه
{ بَرْداً وَسَلَٰماً } [الأنبياء: 69].
ومنها: شهود الحق، وخلوه بالخروج عن نفسه كان أمناً من عذاب الحجاب.
ثم أخبر عن وجوب زيارة البيت الخليل إن استطاع إليه سبيلاً بقوله {وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ} [آل عمران: 97]، إشارة في الآية: إن الله تعالى جعل البيت والحج إليه، وأركان الحج والمناسك كلها إشارات إلى السلوك وشرائط السير إلى الله وآدابه، فمن أركانه:
الإحرام: وهو إشارة إلى الخروج من الرسوم، وترك المألوف والتجرد عن الدنيا وما فيها التطهير عن الأخلاق، وعقد إحرام العبودية بصحة التوجه.
ومنها: الوقوف بعرفة: وهو إشارة إلى الوقوف بعرفان المعرفة، والعكوف على عتبة جبل الرحمة بصدق الالتجاء وحسن العهد والوفاء.
ومنها الطواف: وهو إشارة إلى الخروج عن الأطوار البشرية السبعية بالطواف السبعة حول كعبة الربوبية.
ومنها السعي: وهو إشارة إلى السير بين صفات ومروة الذات.
ومنها الخلق: وهو إشارة إلى محو آثار العبودية بمرسى الأنوار الإلوهية وعلى هذا فقس المناسك كلها، هذا البيت هادها إلى الله وفضله وطلبه بخلاف سائر أركان الإسلام، فإن قيل كل ركن منه يشير إلى طرف استعداد الطلب والقصد إلى الله، فالله خاطب العباد بقوله تعالى: {وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} [آل عمران: 97]، وما قال في شيء أخر من الأركان والواجبات {وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ} [آل عمران: 97]، وفائدته إن المقصود المشار إليه من الحج هو الله تعالى، وفي سائر العبادات المقصود هو النجاة والدرجات والقربات والمقامات والكرامات والاستطاعة في قوله تعالى: {مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} [آل عمران: 97] هي جذبة الحق التي توازي عمل الثقلين ولا يمكن السير إلى الله والوصول إليه إلا بها، {وَمَن كَفَرَ} [آل عمران: 97]؛ أي: لا يؤمن بوجدان الحق، ولا يتعرض لنفحات ألطافه، ولا يترقب لجذبات الإلوهية كما يشير إليها أركان الحج، {فَإِنَّ ٱلله غَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَٰلَمِينَ} [آل عمران: 97]، بأن يستكمل بهم، وإنما الاستكمال للعالمين به والأغنى بهم عنه، ثم إليه عن كفر أهل الكتاب بعد هذا الخطاب بقوله تعالى: {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ} [آل عمران: 98]، إشارة في الآيات أن ظاهر الخطاب مع أهل الكتاب، وباطنه من علماء السوء الذين يتبعون الدين بالدنيا وما يعملون.
{لِمَ تَكْفُرُونَ} [آل عمران: 98]؛ يعني: من طريق المعاملة {بِآيَاتِ ٱللَّهِ} [آل عمران: 98]؛ أي: بما جاء به القرآن من الزهد في الدنيا والورع والتقوى، ونهي النفس عن الهوى، وإيثار ما يبقى على ما يفنى، والإعراض عن الخلق والتوجه إلى الحق وبذل الوجود لنيل المقصود، {وَٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ} [آل عمران: 98]، حاضر معكم ناظر إلى نياتكم في أعمال الخير ويجازيكم بها، {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ} [آل عمران: 99]؛ أي: علماء السوء {لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ آمَنَ} [آل عمران: 99]؛ أي: لم تصرفون بحرصكم عن الدنيا وإتباعكم الهوى المؤمنين الذين يتبعونكم بحسن الظن، ويحسبون أن أعمالكم وأحوالكم على قاعدة الشريعة ومنهاج الطريقة عن سبيل الله وطريق الدين، أمر الأنبياء بدعوة الخلق إليه كما قال تعالى:
{ ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ } [النحل: 125]؛ والحكمة هي: الدعوة بطريق المعاملة وسلوك سبيل الله ليتخلق التابع بإتباع المتبوع، {تَبْغُونَهَا عِوَجاً} [آل عمران: 99]؛ أي: وتطلبون اعوجاج طريق الحق بالسير في طريق الباطل {وَأَنْتُمْ شُهَدَآءُ} [آل عمران: 99]، تعلمون فساد أحوالكم ما لكم فيما تعملون {وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [آل عمران: 99] بعلمه كما تعلمون وهو الذي قضى عليكم به في البداية ويجازيكم عليه في النهاية.