خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي ٱلنَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
٤١
قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّشْرِكِينَ
٤٢
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ ٱلْقِيِّمِ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ
٤٣
مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ
٤٤
لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ مِن فَضْلِهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْكَافِرِينَ
٤٥
-الروم

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

ثم أخبر عن أسباب فساد الاستعداد بقوله تعالى: {ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ} [الروم: 41] يشير إلى بر النفس وبحر القلب، وفساد النفس بأكل الحرام وارتكاب المحظورات وتتبع الشهوات وفساد القلب بالعقائد السوء ولزوم الشبهات والتمسك بالأهواء والبدع والاتصاف بالأوصاف الذميمة وحب الدنيا وزينتها وطلب شهواتها ومتابعتها ومن أعظم فساد القلب عقد الإصرار على المخالفات كما أن من أعظم الخيرات صحة العزم على التوبة إلى الحق والإعراض عن الباطل، ومن حملة فساد القلب التأويلات بغير الحق والانحطاط إلى الرخص من غير قيام حجة والعلو في الدعاوى من غير استحياء من الله وإظهار المعالي رياءً وسمعةً.
وبقوله: {بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي ٱلنَّاسِ} [الروم: 41] يشير إلى أن الناس خلقوا على فطرة الإسلام مستعدين لكسب الخير والشر، إلا أن لله القدر وخلق الأفعال، وللعبد الكسب دون الخلق قوله: {لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ} [الروم: 41] أي: ليذيقهم بعض جزاء ما عملوا من الذنوب والإعراض بالبأساء والضراء والمصائب، {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم: 41] من الغفلات وتتبع الشهوات وتتبع الأوقات إلى الله وطلبه، والجهد في عبوديته وتعظيم الشرع والتأسف على ما فاتهم من الحق.
ثم دلهم على إصلاح ما أفسدوه بقوله: {قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ} [الروم: 42] يشير إلى السير في أرض البشرية على قدمي الشريعة والطريقة بقطع المنازل وسلوك المقامات {فَٱنْظُرُواْ} [الروم: 42] بنظر الاعتبار وطلبوا الحق بنعت الأفكار {كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلُ} [الروم: 42] مدعي الطلب وأصحاب الرياضات، فتعرفوا أموالهم قياساً على أموالكم فيما يعتريكم من العثرات والوقعات والساكنات والركون إلى الإيمان ليتحقق عندكم بأن {كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّشْرِكِينَ} [الروم: 42]، إذا استجلى بعضكم بعض الأحوال فسكنوا إليها واستحسن بعضهم بعض المقامات فركنوا إليها، فأشركوا بالالتفات إلى ما سوى الحق تعالى فيعتبروا عن حالهم وتمسكوا بقوله: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ ٱلْقِيِّمِ} [الروم: 43] بصدق التوجه إلى الله والثبات عليه من غير السكون من شيء من المنازل والركون إلى شيء من الدارين، ومن عرف التوجه أن يكون بالموافقة والاتباع دون الاستبداد برأيه على وجه الاتباع، ومن لم يتأدب بشيخ كامل، ولم يتلقف كلمة التوحيد ممن هو لسان وقته كان خسرانه أتم، ونقصانه أعم في نفسه.
{مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ} [الروم: 43] يعني: يوم القيامة {يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ} [الروم: 43] أي: فرقاً وأحزاباً يشير به إلى العزل عن الارتقاء لعدم استعداد الترقي من مقام إلى مقام آخر، فيكون فريق فيه أهل الدركات وفريق فيه أهل الدرجات، وفريق أهل الفرقات، وفريق أهل القربات، وفريق أهل الوصلات.
{مَن كَفَرَ} [الروم: 44] أنكر على أهل الحق {فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ} [الروم: 44] أي ما حرمانه عن هذا الحديث بموجبه إنكاره {وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً} [الروم: 44] للترقي أي: يصلح للترقي في المقامات وكشف الأحوال {فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ} [الروم: 44] قاعدة نيل المقاصد والمطالب.
{لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ مِن فَضْلِهِ} [الروم: 45] أي: من المواهب التي زيادة على جزاء الإيمان والعمل الصالح الذي من المكاسب، وجزاء المكاسب من المخلوقات والزيادة وهي الرؤية التي هي من المواهب ما يتعلق بالفضل الرباني وهي غير مخلوقة، كما قال تعالى:
{ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ } [يونس: 26] وهي الرؤية وهي من الفضل لا من الكسب كقوله: {وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ} [فاطر: 30].
ثم قال: {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْكَافِرِينَ} [الروم: 45] إذا لم يرزقهم الإيمان ليقعوا في الكفر بالخذلان يشير إلى منكري أهل الحق أنه ما أحبهم إذ لم يرزقهم الصدق والطلب، فوقعوا بالخذلان في الإنكار والكفران.