خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً
٢٦
وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً
٢٧
يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً
٢٨
وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ فَإِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً
٢٩
يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً
٣٠
-الأحزاب

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

{وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَاهَرُوهُم} [الأحزاب: 26] أي: أعانوا للنفس والشيطان والدنيا على القلوب {مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ} [الأحزاب: 26] وهم العلماء المداهنون بفنون الرخص لا عزائم الطلب ويغرونهم التجريد والمجاهدة وترك الدنيا والعزلة والانقطاع، ويقولون: هذه رهبانية وليست ومن ديننا ويتمسكون بآيات وأخبار لها ظاهر وباطن، فيأخذون بظاهرها ويبطلون ويضيعون باطنها، ولا يعلمون أن القرآن يفسر بعضه بعضاً فيؤمنون ببعض هو على وفق طباعهم ويكفرون ببعض هو على خلاف طباعهم، أولئك أعوان النفوس والشياطين.
{مِن صَيَاصِيهِمْ} وإنزالهم بأن الله تعالى ينور قلوب أرباب الطلب بنور الإيقان والعرفان؛ ليتحقق عندهم جهل هؤلاء العلماء السوء وينزل وقعهم ووقارهم في نظر أهل التحقيق {مِن صَيَاصِيهِمْ} أي: من حصون تكبرهم وتجبرهم وغرورهم وحسبانهم عند أهل النظر، وأيضاً أنزل وقعهم من حصون اعتقاد أرباب الطلب؛ لئلا يفتنون بهم ويغتروا عن صدق طلبهم {وَقَذَفَ} [الأحزاب: 26] بنور قلبهم {فِي قُلُوبِهِمُ} [الأحزاب: 26] النفوس والشياطين {ٱلرُّعْبَ} [الأحزاب: 26] ليتفرقوا عن تسويلات أرباب الطلب {فَرِيقاً تَقْتُلُونَ} [الأحزاب: 26] وهم النفس وصفاتها والشيطان وأتباعه {وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً} [الأحزاب: 26] وهم الدنيا وجاهها ومالها.
{وَأَوْرَثَكُمْ} [الأحزاب: 27] يا أرباب الحق {أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ} [الأحزاب: 27] لتنفقوا في سبيل الله وتجعلوها بذر مزرعة الآخرة وبقوله: {وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا} [الأحزاب: 27] يشير إلى مقامات وكمالات لم يبلغوها باستعمال الدنيا، وما فيها أمر استعمالها فيه وكان الله على توفيق استعمال كل شيء من الدنيا وما فيها والآخرة وما فيها في طلب الحق قديراً.
ثم أخبر عن طلب الدنيا أنه تارك العقبى والمولى بقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً} [الأحزاب: 28] موجب للمفارقة عن صحبة النبي صلى الله عليه وسلم لأزواجه مع أنهن محال النطفة الإنسانية في عالم الصورة ليعلم أن حب الدنيا وزينتها آكد في إيجاب المفارقة عن صحبة النبي صلى الله عليه وسلم لأمته؛ لأن أرحام قلوبهم محل النطفة الروحانية الربانية، فينبغي أن يكون أطيب وأزكى لاستحقاق تلك النطفة الشريفة، فإن الطيبات للطيبين وبقوله: {وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ فَإِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً} [الأحزاب: 29] يشير إلى أن محبة الله ورسوله والدار الآخرة موجبة الاتصال إلى النبي صلى الله عليه وسلم والوصلة إلى الله عز وجل إن كانت خالصة من دون الله، فإن كانت مشوبة بنعيم الجنة فله نعيم الجنة بقدر شوب محبة الله محبة النعيم، وله من الأجر العظيم بحسب محبة الله، فإن قال قائل: فلما تحقق أن محبة الله إذا كانت مشوبة بمحبة غير الله يوجب النقص من الأجر العظيم فمحبة النبي صلى الله عليه وسلم توجب النقص من الأجر العظيم، قلنا: لا يوجب النقص من الأجر العظيم بل تزيد فيه لأن من أحب النبي صلى الله عليه وسلم فقد أحب الله كما أن من يطع الرسول فقد أطاع الله والفرق بين محبة النبي صلى الله عليه وسلم ومحبة الجنة أن محبته بالحق دون الحظ ومحبة الجنة بالحظ دون الحق، فإن الجنة حظ النفس كما قال تعالى:
{ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِيۤ أَنفُسُكُمْ } [فصلت: 31] ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم ومتابعته مؤدية إلى محبة الله للعبد لقوله: { قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ } [آل عمران: 31].
وبقوله: {يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ} [الأحزاب: 30] يشير إلى أن الثواب والعقاب بقدر نفاسة النفس وخستها تزيد وتنقص، وأن زيادة العقوبة على الجرم من أمارات الفضيلة كحد الحر والعبد، وتقليل ذلك من أمارات النقص وذلك لأن أهل السعادة صنفين: صنف منهم السعيد والآخر الأسعد، فالسعيد: من أهل الجنة، والأسعد: من أهل الله، فإذا صدر من السعيد طاعة فأعطي أجراً واحداً من الجنة، وإن صدر معصية فأعطي بها عذابا واحداً من الجحيم، وإذا صدر من أهل الأسعد طاعة فأعطي أجره مرتين وذلك بأن له درجة في الجنة ومرتين في القربة، وإن صدر منه معصية يضاعف له العذاب ضعفين نقص في درجته من الجنة ونقص في مرتبته من القربة أو عذاب من ألم مس النار، وعذاب من ألم مس بعد ذلك الحجاب ومن هنا كان دعاء السَّري السَّقطي - قدس سره -: اللهم إن كنت معذبي بشيء فلا تعذبني بذل الحجاب {وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً} [الأحزاب: 30] أن يضاعف لهم العذاب ضعفين بخلاف الخلق لأن تضعيفه العذاب في جهنم ليس بيسير، فإنهم يبعثون به ويعسر عليهم ذلك.